لا مكان في سوريا إلا للسلفية العروبية

زاكروس عثمان

في زمن حافظ الأسد كانت الشوارع السورية تسبح في بحرٍ من الشعارات «التقدمية» المضحكة المبكية. لافتات تُعلّق على الجدران وداخل الباصات: «لا مكان في هذا القطر إلا للتقدم والاشتراكية». شعارات تزهو بالألفاظ وتُخفي واقعًا بائسًا، حيث لم يذق المواطن من «التقدم» سوى مزيدٍ من البدائية، ولا من «الاشتراكية» إلا الفقر والفاقة.

تذكّرت تلك الشعارات الكريهة وأنا أتابع خطابات الطاغية الجديد في سوريا، أبو محمد الجولاني، الذي يسعى لتجميل وجه سلطته أمام الوفود الأجنبية بحديثه عن “المواطنة” و”حقوق الأقليات”. لكن ما أن يغادر الضيوف حتى ينقلب الوجه المنمّق إلى وجهه الحقيقي: زعيم سلفي يؤسس لنظامٍ أشد قبحًا من دكتاتورية الأسد، يرفع راية واحدة بلونٍ واحد، ويريد دولة لا مكان فيها إلا للسلفية والعروبة.

من جهة، يتغنى الجولاني ورفاقه بـ«فسيفساء المجتمع السوري» و«ثراء التنوع». ومن جهة أخرى، يعملون على صهر هذا التنوع في قالب واحد، محولين الفسيفساء إلى راية سوداء. مشروعهم واضح: تطهير قومي وطائفي ومذهبي، يُجبر الكورد والمسيحيين والعلويين واليزيديين وغيرهم على الرحيل أو الذوبان، في سبيل دولة متخيلة لا يسكنها سوى العرب السنة بلباسهم السلفي.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد استبداد سياسي؛ إنه تجديد لروح البعث بعمامة دينية. فكما أراد حافظ الأسد أن يصهر السوريين في بوتقة العروبة والاشتراكية، يريد الجولاني أن يصهرهم في بوتقة العروبة والتكفير.

اللغة الكوردية… “أجنبية” في وطنها

أوضح مثال على هذا الفكر جاء مؤخرًا من محمد سنكري، مسؤول الشؤون السياسية في عفرين التابعة لسلطة الجولاني، الذي صرّح لقناة Rudaw بأن الحكومة لم تمنع اللغة الكوردية لكنها تعتبرها «لغة أجنبية»!

قرار وزارة التربية الصادر في 27 تشرين الأول 2025 أكد أن العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة، وأن جميع اللغات الأخرى – بما فيها الكوردية – «لغات أجنبية».

هنا يتجلى التناقض الفاضح: كيف يمكن لنظامٍ يدّعي المساواة أن يعتبر لغة ثاني أكبر قومية في البلاد «أجنبية»؟

إذا كانت الكوردية لغة أجنبية، فهل المتحدثون بها جالية مهاجرة؟ أليس هذا هو اللبّ الحقيقي لسياسة التعريب القديمة؟

يُراد للكوردي أن يدرس بلغةٍ لا تعبّر عن وجدانه، وأن يرى لغته الأم مجرد حصة هامشية أسبوعية. هكذا يُغلق الباب أمام أي مشروع لتعليمٍ قوميٍّ كوردستاني، وتُدفن الهوية تحت مناهج “سلفية عروبية” لا تعترف إلا بالعربية، ولا تقبل إلا بالذوبان الكامل.

شبيحة النعومة” وطمس الهوية

المشهد الآخر أكثر غرابة: فاتن رمضان، إحدى الشبيحات السابقات في نظام الأسد، والتي “زَوَّرت جلدها” لتلتحق بنظام الجولاني مدعية أنها كوردية. تمّ تجنيدها في مهام ناعمة، لا لقتل الناس بالسلاح، بل لقتل المعنى — لتشويه صورة قوات سوريا الديمقراطية، وتمييع القضية الكوردية، والتحريض ضد كل مَن يتمسك بلغته واسمه وثقافته.

بلغ بها الإنكار أن سخرت من الكورد الذين يعيدون لأبنائهم أسماءهم الحقيقية بعد عقودٍ من التعريب القسري، وكأن حمل اسم «شفان» أو «بريفان» جريمة تستوجب التكفير.

في منطق السلطة الجديدة، على الجميع أن يحملوا أسماء من قبيل «جدعان» و«عمشة» كي يكونوا “سوريين حقيقيين”. وما هي إلا مسألة وقت قبل أن تُصدر وزارة الجولاني فتوى تحرم الأسماء الكوردية باسم “نقاء الأمة”.

من حافظ الأسد إلى الجولاني، تتبدل اليافطات وتتنوع الأقنعة، لكن الجوهر واحد: نظام لا يحتمل التعدد ولا يرى في المواطنة إلا نسخة طبق الأصل من الحاكم ولغته ومذهبه.

تلك هي “سوريا الجديدة” كما يراد لها أن تكون — لا مكان فيها إلا للسلفية العروبية، ولا بقاء فيها لمن يختلف حرفًا أو لونًا أو نغمة.

الوجود حين يُحذف من لغته

اللغة ليست أداة تواصل فحسب؛ إنها روح الوجود وذاكرة التاريخ. وحين تُنفى لغة شعب، يُنفى وجوده من الخريطة ولو بقي على الأرض.

في سوريا الجولاني، كما في سوريا الأسد، لا يُراد للإنسان أن يتكلم بلسانه، بل بلسان السلطة؛ لا أن يحلم بلغته، بل أن يردد صلواتٍ مكتوبة في معجمٍ واحد.

إنهم لا يخافون من الكوردية كلغة، بل من ما تحمله من قدرةٍ على تذكير الإنسان بأنه مختلف، وأن له جذورًا أعمق من الحدود المصطنعة.

ولهذا، فإن معركة الكورد اليوم ليست فقط معركة جغرافيا أو سياسة، بل معركة من أجل حق الوجود في صوته، في كلمته، في اسمه، في ذاكرته.

وما دامت الكوردية تُنطق على هذه الأرض، فلن تنجح أي سلفية أو عروبية في تحويل سوريا إلى صحراء لغوية صامتة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…