سهل نينوى.. هواجس بلا حدود

جليل إبراهيم المندلاوي

لا تحتاج المؤامرات في العراق إلى أدلّة، فيكفي أن يتنفس أحدهم في الاتجاه الخطأ لتبدأ نشرات الأخبار بالعزف على وتر “الخطر الداهم”، لذلك يصبح من الطبيعي أن تقاس البطولات والمكاسب الانتخابية في عالم السياسة العراقية بمعايير لا تخلو من الطرافة، حيث يأتي البعض لينسج سيناريوهات مأساوية حول كل خطوة إصلاحية أو تنظيمية تتخذها حكومة إقليم كوردستان في المناطق المتعددة المكونات، وتصويرها على أنها مؤامرة ضد البلاد والعباد، وتنطلق هستيريا سياسية بكامل أناقتها لمجرد مرور مسؤول من كوردستان في المنطقة، وكأن وجوده يثير قلقا أكثر من خلايا الإرهاب، بل وكأنه يحمل خطة عسكرية مع خرائط ثلاثية الأبعاد وجيشا من الموظفين يترقبون الفرصة المثالية لتطبيق “الهيمنة المطلقة”، لتتحول المنطقة فجأة إلى “جبهة إنقاذ الوطن”، فيظهر محللون وسياسيون يتحدثون عن محاور، وخطط تحرير، وكأننا أمام إعادة إنتاج لفتوحات تاريخية، لنصبح كأننا أمام نسخة محلية من مسلسل درامي، أرخص تكلفة وأكثر تشويقا، مليْ باتهامات سخيفة تتوالى بأن الإقليم يريد السيطرة على سهل نينوى ويخطط لإدخال قواته وفرض سلطته على المنطقة، وكل هذا “لتحقيق مكاسب انتخابية”.

المزحة الأكبر تكمن في تلك الاتهامات حول حضور الحزب الديمقراطي الكوردستاني في سهل نينوى والتي يطلقها “الزعيم الكوميدي” وصاحبه “المختال المهووس” اللذين اعتادا تحويل أي خطوة إصلاحية من قبل البارتي إلى مؤامرة للسيطرة على كل شبر من سهل نينوى، بدءا من أشجار الزيتون وحتى آخر حجر في المنطقة، وكل ذلك بالطبع لتحقيق مكاسب انتخابية خفية، فمنذ اللحظة التي يسمع فيها أحدهم اسم الحزب الديمقراطي الكوردستاني تتحوّل أي مبادرة إدارية أو أمنية إلى “تدخل على حساب الآخرين” و”محاولة فرض السيطرة بالقوة”، حتى لو كانت مجرد توزيع مياه الشرب أو ترتيب ملفات المدارس.

الزعيم الكوميدي الذي يعشق الاستعراضات على خشبات المسارح، وتحطيم الميكروفونات، والذي يخيل إليه أنه بطل فيلم جاسوسية، فكل اجتماع بين قيادة البارتي والمكونات المحلية هو بمثابة مؤامرة سرية ضد اتحاده المتهالك، فيما صاحبه “المختال المهووس” الذي يدعي زورا أنه حامي الهوية الوطنية، فيظن أن كل خطوة لتحسين الأمن والخدمات العامة هي مشهد انتخابي مخادع، بينما الحقيقة أن كل شارع يتم تعبيده، وكل مدرسة تبنى هي مجرد محاولة لإدخال لمسة من الاستقرار للمنطقة، وهو أمر يبدو صعبا على من تعوّدوا اللعب بألوان الصراعات عبر كاميرات الإعلام الساخرة، والغريب في هذا العرض الكوميدي هو محاولات خصوم البارتي لتصوير كل خطوة كتهديد لاستقرار المنطقة، بينما الواقع يقول إن التوازن وتحقيق الخدمات هما هدف الحزب، لا التوتر والفوضى، حيث أضحى هؤلاء الخصوم وكأنهم يجلسون في مقاعد المسرح يلقون صرخات عالية ويتوقعون أن تصدق الجماهير السيناريو الهزلي.

أما عن “التهويل” بأن الإقليم يسعى لفرض سيطرته على سهل نينوى وضمّه إلى المادة 140، وكأن المنطقة قطعة شطرنج يمكن نقلها من خانة إلى أخرى بضغطة زر، فيبدو أن البعض يفسر أي حديث عن الحقوق الدستورية للكورد في المناطق الكوردستانية المختلف عليها وكأنه تهديد مباشر لهم، وكأن الحقوق التاريخية والمكتسبة عبر الدستور لا تعامل إلا كمكاسب انتخابية، والحقيقة أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني بحكمته المعهودة يرى أن الموضوع أكبر من حسابات انتخابية وأعمق من مجرد صراعات، في حين إن كل ما يسعى إليه هو إدارة مسؤولة ومتوازنة تحترم المكونات المتعددة بعيدا عن أضواء الإعلام الساخرة والتصريحات الكوميدية التي لا تنتهي.

دعونا نكون واقعيين قليلا، فهل كل خطوة إدارية في الإقليم تتحول تلقائيا إلى مؤامرة؟ وهل كل تعاون بين سلطات الإقليم والسلطات المحلية يعني “الهيمنة”؟، ففي عالم الأخبار الساخرة يعد أي اجتماع بين مسؤول كوردستاني وعشائر سهل نينوى هو “خلية أزمة كبرى” و”تسريب لمخطط انتخابي سرّي”، حيث يبدو أن البعض لديهم حساسية مفرطة تجاه نجاح الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ويعتقدون أن الاستقرار المحلي هو تهديد لهم، ورغم ذلك فالحزب الديمقراطي الكوردستاني المعروف بتاريخه النضالي وبتقديره للتعددية، لا يسعى لضم أي منطقة بالقوة، بل يسعى لتوفير إطار إداري مستقر يمكّن السكان من إدارة شؤونهم بمشاركة الجميع، وفيما يتعلق بالانتخابات فإن البارتي لا يحتاج إلى خلق توترات لتحقيق مكاسب انتخابية، فالقاعدة الجماهيرية الراسخة التي يمتلكها، والثقة الشعبية التاريخية الممتدة عقودا، وانخراطه في الحياة السياسية، كفيلة بأن تضمن له النجاح، وبأن تجعله الحزب الأول في اقليم كوردستان وعلى مستوى العراق أيضا، أما الاتهامات بخلق التوتر وعدم الاستقرار، فهي أشبه بمحاولة للبحث عن مؤامرة في كومة ورق فارغ، بل أشبه بمحاولة رسم لوحة خيالية على جدار فارغ.. لوحة يمكن أن تعرض في أي معرض للفن الساخر تحت عنوان “كيف تصنع مؤامرة من لا شيء”.

باختصار إن أي تهويل حول تدخل إقليم كوردستان في سهل نينوى، ليس إلا قصة من قصص الخيال السياسي، وإن ما يسمّى تدخلا كورديا في سهل نينوى، ليس إلا ممارسة طبيعية وحرصا على الأمن والمصالح المشتركة بعيدا عن أي حسابات انتخابية ضيقة، ففي النهاية تظل تهم فرض السيطرة والاعتبارات الانتخابية مجرد فصل من كوميديا سياسية يومية يكتبها خصوم الديمقراطي الكوردستاني، بينما الحزب يمضي في طريقه محافظا على صورته كمنظّم حكيم ومراقب دقيق يذكر الجميع بأن الاستقرار الحقيقي لا يبنى على الخيالات، بل على الإدارة الحكيمة والتعاون بين المكونات، أما بقية الشخصيات فلتستمر في أدوارها الكوميدية، تصرخ وتطلق التهم جزافا، بينما البارتي يمضي في طريقه بثقة وثبات، لأنه أثبت دوما بأنه لا يخاف من التهم الباهتة، ولا يركن إلى الصراخ الإعلامي، فهو مشغول بشؤون شعبه لا بالمؤامرات الخارقة، ويسعى إلى حكم رشيد يعترف بالشراكة والتوازن، ويحتفي بالتوافق والاستقرار، أما الخيال السياسي لبعض أشباه السياسيين والإعلاميين، فذلك قصة أخرى تستحق جائزة نوبل في الإبداع الخيالي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…