إيقاع الانتظار والقلق من النوايا

عبدالجابر حبيب

المثلث الذي يشبه مثلث برمودا

تتجه الأنظار اليوم نحو المشهد السياسي في تركيا، حيث تتقاطع النوايا مع الامتحان العملي للواقع. فبعد إعلان انسحاب مقاتلي حزب اتحاد العمال الكردستاني من الأراضي التركية إلى ما سُمِّي بـ«منطقة القتال المشروع»، بدا أن لحظة جديدة تُرسم في مسارٍ طويل من الصراع والبحث عن السلام. ومع ذلك، تظلّ الأسئلة المعلّقة أكثر من الإجابات، وتبدو الخطوة وكأنها صفحة أولى في فصل جديد لم تتضح ملامحه بعد.

اختبار النوايا

لقد انتقلت المبادرة هذه المرّة إلى الجانب التركي، فبعد أن أعلن الحزب عن انسحابه، أصبح الموقف التركي هو المحكّ الحقيقي لمدى صدق النوايا المعلنة في بناء سلام دائم.

هل ستقابل أنقرة هذه الخطوة بقرارات تعزز الثقة المتبادلة؟ هل سنشهد برامج لإدماج المقاتلين في الحياة المدنية، تفتح أمامهم أبواب العمل والمشاركة السياسية، ليغدو الجبل ذكرى بعيدة لا ملاذاً أبدياً؟

أم أن الصمت سيُفسَّر تراجعاً، ويعيد المقاتلين إلى خياراتهم القديمة، حيث يختلط الوطن بالصخر، وتصبح البنادق بديلاً عن الطموحات المؤجلة؟

الضمانات الغائبة ومخاوف الانسحاب

الأسئلة حول الضمانات الدولية لا تقلّ أهمية عن الأسئلة السياسية. فما الذي يضمن أن لا تُستغل هذه الخطوة من قبل طرفٍ أو آخر؟

في غياب إشرافٍ واضحٍ من مؤسسات دولية أو أطراف راعية، يبقى الاحتمال قائماً بأن يتحوّل الانسحاب إلى ورقة ضغط، لا إلى مبادرة سلام.

وإذا ما تنصّل الجانب التركي من التزاماته، فهل يمتلك الحزب ما يكفي من أوراق التوازن ليحافظ على ثقة جمهوره ومقاتليه؟

إنّ أيّ خلل في الثقة قد يُترجم إلى انقسام داخلي أو تراجعٍ عن خيار السلام، وهو ما لا يخدم أحداً في نهاية المطاف.

منطقة رمادية بين السلام والقلق

السنوات الماضية من بناء السلام أظهرت أن الطريق نحو التسوية لا يُعبَّد بالنوايا الطيبة وحدها، بل يحتاج إلى إرادة سياسية صلبة تضمن الاستمرار.

الخطوة الحالية، مهما كانت شجاعة، ما زالت تقف في منطقة رمادية بين التفاؤل والحذر. فبينما يراها البعض بادرة حسن نية تستحق التقدير، يخشى آخرون أن تكون مقدمة لمرحلة جديدة من الصراع، خاصة مع تزايد الحديث عن احتمالات توجه المقاتلين نحو شمال شرق سورية وانضمامهم إلى قوات سورية الديمقراطية (قسد)، كما تتوجس حكومة دمشق.

الرقابة الغائبة واحتمالات التحوّل

يبقى الدور الدولي في هذه المعادلة موضع تساؤل.

هل ثمة رقابة تمنع تحركات المقاتلين باتجاه الحدود الجنوبية نحو إقليم كردستان العراق، أو إلى داخل الأراضي السورية؟

إنّ التحرك نحو أحد الاتجاهين قد يفتح الباب أمام تحوّلات غير متوقعة في ميزان القوى، ويحوّل مبادرة السلام إلى شرارة لتوتر جديد، خصوصاً في منطقة طالما كانت مركزاً لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، و الرابح الوحيد في مثل هذه المغامرة  ستكون تركيا وحدها، كما ستغرق المنطقة في مستنقع لانهاية له الويلات، وسيدفع ثمنها ابناء روجا آڤا وحدهم تحت شعار كردستان الكبرى.

رغم أن هذا الشعار أصبح من الماضي، وما يثبت ذلك هذا السلام الذي يبنى له الأسس في قانون تركيا القادم.

السلام كخيار استراتيجي

في خضم هذا المشهد الملتبس، يظلّ خيار السلام الذي أعلنه الحزب خطوة جريئة تتجاوز التكتيك السياسي إلى رؤية استراتيجية مرتبطة بخصوصية المرحلة.

فهو خيار لا يقوم على الضعف، بل على إدراكٍ عميقٍ بأن الحروب مهما طال أمدها لا تمنح الشعوب إلا تعباً آخر.

إنّ إلقاء السلاح ليس استسلاماً، بل إعلان إيمانٍ بأنّ المستقبل لا يُكتب في الخنادق، بل في ميادين الحياة المدنية، وفي بناء الثقة المتبادلة.

قد يتأخر الحصاد، لكن البذرة زُرعت.

ولعلّ ما يجري اليوم، بكل ما فيه من قلقٍ وانتظار، هو الخطوة الأولى نحو زمنٍ مختلف، تُصغي فيه الجبال لصوتٍ آخر غير صوت الرصاص، وتتحول النوايا الحسنة إلى فعلٍ متجذرٍ في الأرض والإنسان معاً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….

عدنان بدرالدين تدخل الأزمة الإيرانية في أواخر فبراير 2026 مرحلة اختبار جديدة، من دون أن تقترب فعليًا من نقطة حسم. المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقترب من نهايتها، والمفاوضات غير المباشرة في جنيف تستعد لجولة جديدة، فيما تعود الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات طهران ومشهد. ورغم هذا التزامن بين الضغط الخارجي والغضب الداخلي، لا تبدو مؤشرات السقوط الفوري أقوى…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…