دوائر الطاعة وصناعة القطيع في سوريا

نوفين دلكش مرعي

عندما نتأمل الواقع السوري بعد سقوط النظام وتسلّم السلطة الانتقالية الحكم نجد أن التغيير الذي حلم به الكثيرون لم يتحقق كما كان مرجوا، فقد استُبدلت أشكال الطاعة لا أكثر ، بدا المشهد وكأن المسألة لم تكن يوماً بحثاً عن الحرية والكرامة، بل طاعة جديدة تُعيد إنتاج العبودية بأسماء  مختلفة، ويبدو أن جذور هذا الأمر تعود إلى تكوين المجتمع وطريقة تنشئته عبر الأجيال .
فالانسان عندنا لا يربى على ان يكون حراً  وإنما  يربى على السمع والطاعة منذ نعومة اظفاره إذ يتعرض الطفل لسلسلة من دوائر الطاعة تبدأ من الوالدين والمنزل ، وتمتد الى المدرسة والمسجد.
يرسخ في ذهن الطفل مبكرا مفهوم احقية الكبار ووجوب طاعتهم ، فيصبح من الممنوع المجادلة او الاعتراض ،فالابوان  لا يخطئان ، والمعلم دائما على صواب والخطاب الديني يدعو الى الطاعة لا الى المساءلة.
  وبهذا الشكل ينشأ الطفل ويرى في الطاعة فضيلة وفي الشك خطيئة، ويتعلم إن السلطة لا تُناقش سواء اكانت سلطة الاهل او المدرسة او الدولة او الدين
ويصبح التفكير خارج الصندوق مصدرا للشعور  بالذنب بالنسبة له .
هذه التربية  تنشىء انساناً مشوهاً ذهنياً عديم الثقة في نفسه ومحملا بعقد نفسية عميقة، حيث يفقده القدرة على التفكير وتحليل المواقف، وكيفية حل مشاكله ويمتلىء بالقلق والغضب، وابسط المواقف اليومية قد تشكلة عنده مشكلة معقدة ولا يستطيع التعامل معها ويلتجا الى حلول خارجية بدل من استعمال عقله..
ومن هنا تبدأ ثقافة القطيع.
فالشخصية الغير الناضجة و القلقة والخاوية من المعنى،
تجد في الانتماء الى القطيع نوع من الأمان والحماية .
في القطيع، لا يُطلب منك أن تفهم، ولا أن تُفكّر، ولا يُمنح لك وقتٌ لتتأمل،
كل ما يُنتظر منك أن تسير  و أن تذوب في الصف وأن تصمت حين يتحدث الراعي، وأن تهزّ رأسك بالموافقة حتى ولو لم تفهم ما يقول.
واذا اسقطنا هذه المنظومة على الواقع السوري الحالي  ستفسر العديد من السلوكيات التي قد تبدو غير منطقية بالنسبة لشريحة واسعة من المجتمع
وخاصة فيما يتعلق بخطاب الكراهية، وتمجيد السلطة، والتغاضي عن انتهاكاتها، بل والتصفيق لها بشكل غير عقلاني. وحتى تفسر مفهوم الفزعات العشائرية وخوض المعارك دون الاحتكام الى العقل
لقد اختُزل الوطن في شخصية الحاكم، وغدا تمجيده علامة ولاء، بينما يُنبذ كل من يقترب من نقده ويُتَّهم بالخيانة للوطن والأرض.
ما حدث ويحدث في سوريا، لم يكن فقط نتيجة حراك سلمي تحول الى نزاع مسلح أو لعبة دولية كما كان النظام يدعي بل هو أيضا نتاج طويل لثقافة القطيع ولخطاب الكراهية الذي تم تعليبه بعناية، وتغذيته إعلاميا ودينياً وحزبياً، لعقود طويلة..
فالتحرر الحقيقي لا يُصنع في القصور السياسية، بل في البيوت والمدارس والعقول الصغيرة التي تتعلم منذ البداية أن الحرية ليست ترفاً بل طريقة في التفكير والعيش وحين يتعلم الطفل أن يسأل و أن يشك و أن يقول “لا”، عندها فقط يمكن للمجتمع أن يتحرر من عبودية الطاعة، وأن يخرج من دائرة القطيع إلى أفق الإنسان الحر.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح عمر مصيبتنا الكردية، في كثير من مراحل تاريخنا الحديث، لم تكن في غياب التضحيات، ولا في ندرة الرجال، ولا حتى في نقص الشعور القومي؛ كانت في العجز عن تحويل هذا الشعور إلى عقل سياسي قادر على قراءة العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. لقد عرف الكرد كيف يقاومون، وكيف يموتون من أجل قضيتهم، وكيف يحافظون على هويتهم…

رامان يوسف Raman Yousef تفاجأ سكان الحسكة اليوم بدخول عشرات الآليات المحمّلة بعناصر من الأمن العام. الأرتال تتمركزت في معسكر الطلائع شرق المدينة ، بعد أن أخلته «قسد» قبل أسبوع، هو جزء من اتفاقية 29 كانون الثاني، التي تفاجئنكم تفاصيلها في كل مرة. ويبررها مراهقو الإدارة و اعلامييها . القوات الخاصة التي دخلت ، لا يكفي و هناك المزيد، ستُوكل…

محمد صالح شلال شهد الشرق الأوسط منذ هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من تشرين الأول ٢٠٢٥ تحولات عميقة تجاوزت في نتائجها حدود الحرب في غزة، وأعادت ترتيب موازين القوى الإقليمية والدولية، ووضعت العديد من المشاريع السياسية والعسكرية التي كانت تبدو حتى وقت قريب ثابتة ومستقرة أمام اختبار وجودي. فالحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحماس لم تبقَ محصورة في…

محمد سعيد آلوجي إن كانت تنظيمات حزب العمال الكوردستاني في غرب كوردستان قد سلّمت أمرها للحكومة المركزية المؤقتة في دمشق، وعلى رأسها قسد. بموجب اتفاقات الدمج الموقعة بين السيد مظلوم عبدي والحكومة السورية المؤقتة. بعد أن كانت قد بسطت سيطرتها على ما يقارب ثلث الأراضي السورية. لينحسر وجودها فيما بعد في أقل من نصف محافظة الحسكة، وذلك بعد فشلها في…