بين وعي المهاجر وذهنية المقيم في وطنٍ لم يغادر القرون الوسطى

دلدار بدرخان

كيف يمكن لذاك المهاجر السوري الذي عبر البحار والقفار قبل أعوام باحثاً عن وطن بديل، أن يتأقلم اليوم مع من بقي في الداخل، وما زال يقدس السلطة ويسبح بحمده ، ويؤمن أن الزعيم ظل الله في الأرض؟

وكيف يلتقي من تنفس هواء الحرية، بمن لا يزال يختنق في أقبية الخوف؟

فمنذ أن وطئت قدماه أرض أوروبا، بدأ السوري المهاجر يتشكل من جديد، وأعاد بناء ذاته لبنةً لبنة، على أسس من القانون والكرامة الفردية، ورأى بعينيه كيف أن رئيس الدولة ورئيس الوزراء، وحتى الملوك مجرد خدم لدى الشعب، ويخضعون للمساءلة كما يخضع أبسط موظف، ورأى أيضاً أن العدل يمشي على قدميه في الشوارع، فتعلم أن العدالة ليست شعاراً يُرفع، وإنما ممارسة يومية تُصنع.

لكن ماذا لو عاد؟

كيف له أن يتنفس في وطن ما زال يعتبر الحاكم أباً أزلياً والناقد عدواً للوطن؟

كيف يتقبل أن يُعامل الموظف الصغير كإلهٍ صغير فوق القانون؟ ، وأن يرى بائع الطوابع في الدائرة الحكومية يتصرف كحاكم في مملكته، وأن يُقاس الولاء بالانحناء عوضاً عن الكفاءة؟

لقد تباعد العالمان أيها السادة أكثر مما يتخيل البعض ،

فالمهاجر الذي عاش في مجتمعاتٍ تُقدس العمل والنظام والمواطنة، سيصطدم إذا عاد بجدارٍ من الطاعة العمياء،

وسيجد نفسه غريباً بين أهله، وغريباً بلغته، وغريباً بعاداته، وغريباً بحلمه وثقافته في وطن لم يعد يشبهه، ليس لأنه تغيّر كثيراً، بل لأن الداخل لم يتغير أصلاً .

فالفجوة ليست في الجغرافيا، وإنما هي في الذهنية والوعي، وهي مسافة بين من رأى الوطن عقداً اجتماعياً، ومن رآه سجادة يُصلى عليها للحاكم، وهو اختلاف بين زمنين، زمنٍ يكرس السلطة للشعب، وآخر يكرس الشعب للسلطة،

وتعتبر قفزةٌ في الزمن إلى الوراء، إلى عصورٍ لم تغادرها السلطة بعد، ولا تزال تحكم الناس بعقلية الحزب الواحد، والزعيم الواحد، والولاء الواحد.

فالمهاجر الذي عاش في فضاء الحرية سيصطدم بجدارٍ من الطاعة العمياء، حيث لا يُسأل الرئيس عما يفعل، وحيث أصغر موظف في الدولة يمتلك حصانةً تفوق حصانة القانون نفسه.

ولهذا فإن العودة إلى الوطن ليست مجرد هبوط في مطار، وإنما سقوط في زمنٍ مضى، في ذاكرةٍ لم تعد تحتمل نفسها.

لقد دفع السوريون أثماناً باهظة على مقصلة الثورة والحرية والكرامة، ومع ذلك لا يزال كثيرون يسبّحون بحمد المستبد كأنهم يخافون الفراغ الذي تتركه الحرية حين تغادرهم،

وفي المقابل يعيش المهاجر بين حنينٍ يحرقه وواقع لا يشبهه، ويريد أن يعود لكنه يخشى أن يُختطف وعيه من جديد، وأن يتحول من إنسان إلى ظل،

فهي معادلة قاسية ، لأن المنفى حرر الجسد، لكن الوطن المريض ما زال يقيد الروح، ولعل اللقاء بين المهاجر والمقيم في الوطن لن يتحقق إلا عندما يتحرر الداخل من عبادة الخوف، ويتصالح الخارج مع حقيقة أنّ بعض الأوطان تُحب من بعيد، لأن الاقتراب منها وجع لا يحتمل.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…