مام في الشام برؤية عربية (10)

مصطفى عبد الوهاب العيسى

إن رؤية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بضرورة التعامل مع الملا مصطفى و مام جلال بنفس طويل و حكمة و بعد نظر و قوله : ” أنا أرى فيكم أنتم الشباب العرب الثوار نفس ما أراه في جلال طالباني ” شهادة تاريخية من زعيم عربي بحق شاب كردي لم يكن حينها قد وصل لما وصل إليه لاحقاً من رمزية و مكانة عظيمة لدى الكرد .

كان مام جلال أول رئيس كردي يتكلم من على منبر الأمم المتحدة بلغته الأم ، و هو ما حصل مع جمال عبد الناصر لتكون صدفة غريبة تساعدني على أن أقول بأن مام جلال كان أشبه ما يكون بجمال عبد الناصر الكُرد ، و أحسبُ أنني أُنصف مام جلال عندما أقول عنه ما قلته في جمال عبد الناصر سابقاً : لقد رحل و له ما له وعليه ما عليه ، و إن كان ما له يفوق ما عليه بكثير .

مما أذكرهُ بأن الأستاذ الراحل عبد الحميد درويش كتبَ يوماً بأن حكوماتٍ وأحزاباً حاولت التفريق بينه و بين صديق عمره مام جلال على مدارِ أكثر من ستين عاماً وفشلت بذلك ، و هو ما سأذهب بعيداً في تفسيره من جانب آخر وهو أن اللقاءات والصداقات التي تُبنى في الشام ستبقى و تدوم أبداً .

رحل مام جلال بعد ما أظن أنه أنجز و قدم و للكرد خاصة الكثير ، و يكفي حجم التراجيديا التي أوردها الأستاذ علي شمدين في إحدى حلقاته لتُلّخص لنا الفرحة والتفاؤل التي منحتها للكرد رحلة طويلة امتدت لأكثر من نصف قرن قبل وصول مام جلال لقصر السلام في بغداد ، وأعني التراجيديا الموجودة في دُعابة الرجل القروي البسيط ابراهيم گوري الذي يطلب من أهل القرية أن يدفنوا معه نسخة من المصحف الشريف حتى يُقسم عليه لمن سبقه من الأهل والأحباب بأن مام جلال أصبح رئيساً وأن كُردياً تسلم رئاسة العراق .

و بالحديث عن التفاؤل بالمستقبل فإن المفارقة التي شهدناها برحلات مام جلال للشام مرة على ظهر شاحنة الحبوب ، و مرة بطائرة خاصة ، و مرة كرئيس لدولة العراق علمتنا الكثير من الدروس والعبر .

ولا أقول إلا أيَّةُ مشاعرٍ تلك التي كتمها و ما أباح لنا إلا بالقليل منها ، و أيُّ دموع فرح بالنجاح أنا على ثقةٍ بأنها غمرته بعد هذا التعب لأكثر من نصف قرن ؟

مام في الشام هي قصة نجاح ملهمة للأجيال التي تقرأ و تحاول جاهدة أن تستفيد من خبرات هذا الرجل ، و تتعلم من الأحداث والمواقف التي مر بها .

مام في الشام قصة نجاح و كفاح لرجلٍ ما عرف اليأس طيلة حياته ، و عاش ليكتب سيرة تصلح أن تكون إلهاماً لكل المناضلين على اختلاف قضاياهم و باختلاف مشاربهم ، و حُقَّ بجدارةٍ لمحبي مام جلال اليوم أن يفخروا بوجوده كشخصيةٍ مؤثرة وفاعلة في تاريخ الكرد الحديث والمعاصر ، و حفر اسمه مع أسماء و شخصيات مثل الشيخ محمود الحفيد والشيخ سعيد بيران والملا مصطفى البارزاني و قاضي محمد وو .. الخ .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…