سياسة التفريق كأداة للسيطرة

مسلم شيخ حسن – كوباني

منذ تولي حافظ الأسد وابنه بشار الأسد السلطة مطلع سبعينيات القرن الماضي اتبع النظام السوري سياسة ممنهجة تهدف إلى إضعاف البنية الاجتماعية الوطنية عبر تقسيم المجتمع إلى فئات متنافسة. وانطلاقاً من مبدأ الهيمنة عبر التفريق سعى النظام إلى تعزيز الولاءات الطائفية والإثنية والمناطقية على حساب الهوية الوطنية الجامعة سعياً منه إلى ترسيخ سلطته وضمان استقرار حكمه على المدى الطويل.

بعد الاستقلال برزت سوريا كدولة متعددة الأعراق والثقافات والأديان تشكل أساساً لبناء نموذج وطني ديمقراطي قائم على التنوع والتكامل. إلا أن نظام البعث عمل على تحويل هذا التنوع من مصدر قوة إلى أداة للسيطرة السياسية. فبدلاً من ترسيخ قيم المواطنة والمساواة عمد إلى خلق توازنات مصطنعة تبقى المكونات الاجتماعية في حالة توتر دائم  بحيث يصبح الولاء للنظام الضمانة الوحيدة للأمن والمكانة الاجتماعية.

وقد اعتمد النظام لتحقيق ذلك على جملة من الآليات السلطوية أبرزها القمع الأمني ​​الممنهج واستخدام أجهزة المخابرات لمراقبة المجتمع وتبني سياسات تمييزية صريحة ضد بعض الفئات القومية والدينية وأبرزها المكون الكردي في سوريا. كما استخدم الخطاب الإعلامي والتربوي لترسيخ الانقسامات الاجتماعية ما أدى إلى خلق بيئة من الشك والعداء بين مختلف مكونات الشعب السوري.

أفضت هذه السياسات على المدى البعيد إلى انهيار النسيج الاجتماعي السوري وإضعاف مفهوم الانتماء الوطني. ومع بداية أحداث عام 2011 اتضح أن البنية الاجتماعية التي أضعفها النظام لعقود أصبحت عاجزة عن مقاومة الانقسامات الحادة والصراعات الداخلية التي شكلت تهديداً مباشراً لوحدة الدولة واستمراريتها.

وبناء على هذه التجربة التاريخية يمكن القول إن ما شهدته سوريا خلال عقود حكم نظام البعث وعائلة الأسد يمثل تحذيراً من مخاطر السياسات الإقصائية. واليوم، تطالب جميع المكونات السورية  عرباً وكرداً وسرياناً وآشوريين وغيرهم  بإدراك حجم الكارثة التي سببتها هذه السياسات والعمل على تجاوزها من خلال بناء عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة المواطنة المتساوية. في هذا السياق تتحمل حكومة الرئيس أحمد الشرع الانتقالية مسؤولية تاريخية لاستخلاص العبر من تلك الحقبة المظلمة وإرساء أسس نظام سياسي ديمقراطي يعالج تراكمات التمييز والعنصرية ولا سيما تلك التي مورست بحق الشعب الكردي.

ولتجاوز آثار المرحلة السابقة لا بد من رؤية وطنية شاملة قائمة على الاعتراف المتبادل والعدالة الانتقالية وتعزيز الثقة بين مختلف شرائح المجتمع. ويجب أن ترتكز الإصلاحات السياسية والاجتماعية في سوريا المستقبلية على مبادئ المساواة والشفافية والمساءلة لضمان عدم تكرار ممارسات التفرقة التي استخدمتها الأنظمة السابقة كوسيلة للبقاء في السلطة.

وأخيرًا، تشير التجربة السورية في ظل حكم عائلة الأسد إلى أن بناء دولة مستقرة لا يتحقق بالقمع والتقسيم بل بتعزيز قيم المواطنة والتنوع والعدالة الاجتماعية. وتعد استعادة الوحدة الوطنية لسوريا اليوم أحد أهم التحديات التي تواجه مشروع الدولة الحديثة  وتتطلب جهداً جماعياً يتجاوز الانتماءات الضيقة نحو هوية وطنية جامعة تعيد لسوريا مكانتها التاريخية والحضارية.

21 / 10 / 2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…