الدولة الكوردية من الحلم الثوري إلى الوعي المؤسسي

د. محمود عباس

لم تعد فكرة بناء الدولة الكوردية حلمًا مؤجلًا، بل أصبحت واجبًا تاريخيًا وضرورة سياسية تمتحن نضج الحراك الكوردي وقدرته على الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة، من الحلم إلى الفعل، ومن الشعارات إلى المؤسسات. فالمسألة لم تعد في جوهرها مقاومة ضد الآخر، بل مقاومة ضد العجز عن التحول إلى كيانٍ منظمٍ يمتلك مؤسساته وقوانينه ورؤيته للعالم.

لقد نبهت مرارًا، في الكتابة والإعلام والسياسة، إلى أن على الحراك الكوردي أن يرتقي من منطق التنظيم الحزبي إلى منطق إدارة الدولة، لأن ما تحقق من مكتسباتٍ بفضل دماء الشهداء ودعم التحالف الدولي، لا يمكن أن يبقى رهينة الأساليب القديمة التي أثبتت محدوديتها. فالقضية لم تعد تتعلق بإدارة منطقة جغرافية تكون تابعة لسلطة مركزية متآكلة تتأرجح ما بين الاستبدادين القومي والديني، بل بتأسيس نموذج حكمٍ يعكس نضوج التجربة الكوردية وقدرتها على الإدارة الحديثة، بمنهجية سياسية واقتصادية وأمنية واضحة، وبمنطق الدولة التي تدير، لا القوى الحزبية التي تسيطر.

الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، بما راكمته من خبرةٍ تجاوزت العقد، تقف اليوم أمام امتحانٍ مفصلي، أن تكون بذرة دولةٍ حقيقية أو تجربةً عابرة في ذاكرة التحولات السورية. والمطلوب تفعيل مؤسساتٍ معطلة، وتوسيع الموجود، تُدار بعقلٍ حكوميٍّ أوسع ومستقل، تتوزع فيه الصلاحيات، ويُعاد فيه تنظيم القطاعات الاقتصادية والإدارية والقضائية. فالدولة لا تُختصر في سلطةٍ سياسية، بل تُبنى على منظومةٍ من المؤسسات التي تضمن استمرار الحياة العامة وتوازنها.

لقد أدى غياب منطق الدولة، خاصة بعد زوال النظام البائد، وسلطة بشار الأسد المجرم، إلى فراغٍ إداريٍّ واقتصاديٍّ في مراكز متعددة، مئات من القضاة والمحامين والمزارعين والتجار وجدوا أنفسهم خارج نطاق العمل والإنتاج، بعد أن تعطلت المحاكم والبنوك والدوائر الرسمية التي كانت تابعة للمركز ولم تُنشأ بدائل لها. كان بالإمكان تحويل ملفات القضاء إلى المحاكم المحلية، وتفعيل الإدارة المالية عبر البنوك الإقليمية، لتقليل البطالة وترسيخ الثقة في مؤسسات الإدارة الذاتية. لكن غياب الرؤية الحكومية جعل المشهد أقرب إلى إدارةٍ مؤقتة تنتظر تفعيل المركز، لا مشروع دولة، وهو ما يضعف شرعية الحوار مع الحكومة السورية الانتقالية، ويجعل المطالب الكوردية تبدو كأنها مطالب مناطق مهمشة، لا رؤية دولةٍ تسعى إلى نظامٍ فيدراليٍّ ديمقراطيٍّ متكامل.

إن بناء الدولة يتحقق بالمراكمة الهادئة للوعي المؤسساتي، وبالإيمان أن الدولة فعلُ بناءٍ طويل المدى، لا انفعالُ لحظةٍ تاريخية. فالتاريخ لا يرحم الثورات التي لم تُحسن إدارة انتصاراتها، والذاكرة لا تخلّد سوى من حوّل الحلم إلى بنيةٍ قائمةٍ تحكم وتُنظم وتُنتج.

العلاقة مع المركز، أي حاليا بالحكومة السورية الانتقالية، أيًّا كانت طبيعتها، ستبقى علاقةً متوترة بين الوعي بالذات والوعي بالآخر، لكنها، كلما قامت على منطق الدولة لا الحزب، وعلى القانون لا الشعارات، كلما أصبحت أكثر توازنًا واستقرارًا، فالمركز يخشى القوى التي تدير جغرافيتها على أسس الدولة وتعرف ماذا تريد، ويحترمها، لكنه يستهين بالحركات التي لا تعرف ما تريد، ويستغل تشتتها لصالحه.

 

لذلك، فإن التحول من منطق إدارة المنطقة بذهنية الحزب إلى منطق الدولة هو جوهر المرحلة المقبلة، الحزب يصنع خطابًا، أما الدولة فتصنع واقعًا؛ الحزب يخلق الانقسام، أما الدولة فتبني النظام؛ الحزب يسعى إلى الولاء، أما الدولة فتسعى إلى الكفاءة، ومن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي للإدارة الذاتية، بل والحراك الكوردي بشكل عام، إن أرادت أن تكون فاعلًا في مستقبل سوريا، لا هامشًا يُدار بتفاهمات الآخرين.

إن بناء الدولة ليس فعلًا استفزازيًا كما يراه خصومنا، بل فعلُ وعيٍ وضرورةٍ إنسانية، فهو يتطلب نقد الذات قبل نقد الآخر، والقدرة على تجاوز الكراهية التي تُزرع في النفوس بوعيٍ أو بتخطيط. فالدولة لا تُبنى بالحقد، بل بالمنطق، ولا تنمو في الضجيج، بل في الوعي.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تُقاس بعدد معاركها، بل بقدرتها على تحويل الثورة إلى نظامٍ مستقرٍّ يعترف به العالم. وإذا كانت غربي كوردستان قد نالت اعترافًا معنويًا في الذاكرة الإنسانية، فإن التحدي اليوم هو أن تنال اعترافًا سياسيًا في وجدان سوريا والقوى الإقليمية المتربصة بالشعب الكوردي، ومن ثم في خرائط الدول، من خلال مؤسساتٍ تُدار بعقل الدولة لا بعاطفة الثورة.

فغربي كوردستان، بل ودولة كوردستان ليست فكرةً خيالية، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية وسياسية، على كل كاتبٍ وسياسي ومثقفٍ عربي قبل كوردي أن يتحمل نصيبه منها، إنها ليست نداءً إلى الماضي، بل استدعاءٌ للمستقبل، حين يُدركون أن التحرر الحقيقي لا يكتمل إلا حين يصبحون قادرين على إدراك قيم الحرية، وإدارة ما حرروه.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

16/10/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…