خطابات متدحرجة على صفيح ساخن

عبدالعزيز قاسم 

السلطة الجديدة التي يروّج لها أحمد الشرع، ليست سوى نسخة مشوهة، بوجهٍ ناعمٍ لتنظيم متشدّد يرفض التعددية السياسية، ويخاف حتى من ظلّ الحقيقة أكثر من خوفه من الانهيار.

هي سلطةٌ تريد أن تُقال عنها جديدة، لكنها لا تزال اسيرة فكر ديني سلفي جهادي، ترى في التنوع القومي والديني تهديداً، وفي الاعتراف بالحقوق القومية للكرد وحقوق باقي المكونات من الدروز والعلويين وغيرهم جريمة دينية وسياسية وخطرا على وجودها.

سلطة استبدلت  الشعارات القومجية العروبية بشعاراتٍ أكثر مقتاً، وخطاب ديني لا يؤمن إلا بالهيمنة ولا تختلف في الجوهر عن الخطاب الذي حكم سورية لعقودٍ طويلة.

لكن الخلل لا يقف عند السلطة وحدها فالأحزاب الكردية التي كان يُفترض أن تمثل وجع الشعب الکردی، غَرقت هي الأخرى في شعاراتٍ طوباوية لا طعم لها ولا أثر.

يتحدثون عن “الأمة الديمقراطية” ويذيلون هذه الكلمة (الديمقراطية) بكل شيء حتى افرغوها من محتواها  وجعلوا الشعب يكره كل شيء اسمه الديمقراطية، وكذلك ينادون ب “الأخوة بين الشعوب”، كأنها تعويذة سحرية تُنهي الصراع، ويتجاهلون أن شعبهم ما زال يُنكر وجوده على أرضه، وأنّ الاعتراف بالذات ليس ترفًا فكريًا، بل هو أساس الوجود السياسي لأيّ شعب.

لقد تحوّل الخطاب (الكردي) الأممي إلى قناعٍ يخفي العجز، وتحولت “الواقعية السياسية” إلى مبررٍ دائمٍ للتراجع عن المطالب القومية المشروعة.

هكذا نجد أنفسنا اليوم أمام مأساة; سلطةٌ تسعى إلى فرض هيمنتها وفكرها الاقصائي، وترى في الاعتراف بالحقوق القومية الكردية جريمةً دينية وسياسية، وأحزابٌ كردية لا تملك الجرأة وتخشى الوضوح وتتهرّب من الاعتراف الصريح بهويتها القومية، وكأن الوضوح صار تهمة، مما حوّل القضية الكردية من مطلبٍ سياسي واضح إلى فكرةٍ عائمةٍ بلا أرض.

لا معنى لحقوقٍ تُقال ولا تُعاش، ولا لوعودٍ تُعلَّق في هواءٍ بلا جذور، وإن الحديث عن الحقوق القومية بلا كيانٍ يجسّدها، يشبه الحديث عن نهرٍ بلا منبع.

اللامركزية لا تُغني عن الهوية، والديمقراطية لا تمنح الحرية إن لم يكن لها عنوان على الأرض، فالحديث عن الحقوق القومية الكردية في سوريا ضمن شعاراتٍ كبيرة: اللامركزية، الديمقراطية، التمثيل، الاعتراف بالتنوع القومي. غير أن هذا الخطاب _ على عمقه النظري _ ما زال يفتقر إلى الأساس الجوهري الذي يمنحه المعنى الحقيقي: وجود كيان قومي كردي واضح المعالم على جزءٍ من أرضه التاريخية.

حیث لا معنى للحديث عن هوية قومية إذا كانت مسألة المطالبة بوجود كيان قومي مؤجلة إلى إشعارٍ آخر، ولا عن حقوقٍ سياسية في ظل غياب بنية مؤسساتية تعبّر عن إرادة هذا الشعب، واللامركزية إن لم تكن اللامركزية السياسية، تصبح بلا مضمون عندما لا تُترجم إلى حكم وإدارةٍ ذاتية حقيقية، والديمقراطية تتحوّل إلى شعارٍ شكلي حين يُطلب من المكونات أن تذوب في مركزٍ لا يعترف بتعدديتها، وأما الاكتفاء بالمناصب الرمزية أو المشاركة الشكلية في الحکومە المركزية تفرغ القضية من مضمونها، وتحوّلها إلى أوراق تفاوض تُستخدم عند الحاجة.

المطلوب اليوم ليس شعاراتٍ جديدة، بل رؤية سياسية واقعية تستند إلى ثوابت واضحة، كتلك التي وردت في البند الأول من الشأن القومي الكردي في بيان كونفرانس قامشلو في 26 ايار المنصرم: (توحيد المناطق الكردية كوحدة سياسية إدارية متكاملة في إطار سورية اتحادية).

إن أي تسوية سياسية في سوريا تتجاهل هذا البند لن تكون عادلة ولا مستقرة، ولا بد من التأكيد على إنّ مستقبل القضية الكردية لا يُصنع في الغرف المغلقة، بل في الموقف الواضح والإصرار على أن لا معنى للحقوق القومية دون كيانٍ قومي يحميها، ولا معنى للديمقراطية إن لم تبدأ من الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الكردي.

أما الحديث عن الاحتفاظ بقوات سوريا الديمقراطية أو دمجها ضمن الجيش السوري، أو عن شراكةٍ متكافئة بين المكونات، يظلّ خطاباً ناقصاً ما لم يُبنى على اعترافٍ واضحٍ بالوجود القومي الكردي وحقه في إدارة شؤونه على أرضه التاريخية.

فلا يمكن اختزال القضية الكردية في بعدٍ أمني أو إداري، لأنها في جوهرها قضية هوية وشعب وأرض تنتظر من يُعيد تسميتها باسمها الأول… كردستان.

ليس للحرية طعم إن لم تخرج من رحم الأرض التي سمّت أبناءها بأسمائها، وروت بدمائها،  وليست للكرامة طريق إن لم يكن لها جغرافيا تسكنها، فمن لا أرض له، لا ظلّ له، ومن لا كيان له، يُبتلع في صمت الآخرين.

فكردستان، كما قال الرئيس مسعود بارزاني، ليست خريطة على الورق — إنها فكرة تنبض في الذاكرة، وهوية لا تموت مهما تأخر الاعتراف بها.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….