مزكين حسكو…  في أمسية” دوكر” هذه الليلة!

إبراهيم اليوسف

كأنّ يوم الوطن نفسه كتب مرثيتها قبل أن تبدأ شمسه بالطلوع، إذ حمل الوطن عودة ابنته كما يُحمل نَفَسُ القصيدة في صدر شاعرها. وصلت مزكين حسكو إلى دوكر، إلى مهدها الأول، إلى القرية التي تشبهها في عنادها وطيبتها وارتفاعها عن الصغائر. هناك، حيث يختلط العشب بذاكرة الراحلين، وُورِي جسد الشاعرة الطاهر، الجسد الذي عانى كثيراً في محرقة الكتابة عن الوطن، فعاد الوطن ليكتبها بمداد الأرض. لم تكن عودتها رحلة في الجغرافيا، بل عبوراً من ضفة إلى أخرى، إذ عادت كما تعود الفصول إلى ترتيبها، وكما تعود القصيدة إلى صمتها بعد أن تُقال.

قرية دوكر أضيف إليها اسم جديد، علامة جديدة، بل صارت منبراً تتلى عليه قصيدة شاعرة مبدعة، منذ أن هبط النعش من بين أيدي أهلها، ذويها، محبيها، بدا وكأن القصيدة التي ظلّت مزكين تكتبها طوال حياتها قد اتخذت شكل الجسد وسكنت بين ألواح الزان. أجل، لم تكن مزكين حسكو شاعرة عابرة، بل ابنة للكلمة كما هي الآن ابنة للتراب. كتبت بروح صوفية كما يُصلي لأجلها الأهلون هناك. لقد رضعت لغتها الأم مع حليب أمها، فلم تكن لغتها مجرد وسيلة تعبير بل آيات صلاة خاصة، كانت وطناً بديلاً، مسكوناً بنبرة شجن لا يخطئها السمع، وبعزيمة امرأة تعرف أنّ الكلمة يمكن أن تهزم الغياب.

ولدت في الشلهومية. وترعرعت في تربسبي، في حضن الجزيرة الكردية التي أنجبت كثيراً من الشعراء والمناضلين والمقاتلين والحالمين، وظلّت تلك الأمكنة تنبض في قلبها مهما ابتعدت المسافات. كانت تقول: الوطن لا يُغادر من يسكنه الشعر. وحين اضطرها القدر إلى الغربة، حملت كردستان في حقيبتها الصغيرة، بين الأوراق والدفاتر، كي تضعها على الطاولة كلما جلست لتكتب، لتتذكر أنّها لم تغادر إلّا جسداً، وأنّ الروح ما تزال تمشي على تراب الوطن.

في ألمانيا، بين برد المنافي وصمت المدن البعيدة، كانت مزكين تكتب بالكردية كما تزرع شجرة في حديقة غريبة. كانت تعرف أنّ الكلمة مقاومة، وأنّ الحفاظ على اللغة في بلاد الآخرين نوع من الصلاة السرّية. ومع الوقت، أصبحت قصيدتها هي الوطن، والقصيدة حين تُكتب بصدق تصير أكثر واقعية من الجغرافيا نفسها. كتبت ونشرت أربع عشرة مجموعة شعرية، كلّ واحدة منها مرآة لروحها، لا تُشبه سواها، ولا تحتاج إلى توقيعٍ لتُعرف، لأنّ لغتها وحدها كانت كافية لتدلّ عليها. وكانت نتاجاتها هذه – في نظرها – مجرد عنوان لعطاءٍ أعظم قادم، ولكن!؟

رحلت وهي محاطة بأبنائها الثلاثة الذين رافقوا جنازتها، كما عمّهم الفنان هفراز حسكو، أبناؤها الذين ربّتهم على المحبة والكرامة، وعلى أن اللغة الأم ليست مفرداتٍ فحسب، بل انتماءٌ وذاكرة وكرامة. في زمنٍ ينسى فيه كثيرٌ من أبناء المهاجرين لغتهم الأم، ظلّت مزكين تغرس الكردية في قلوبهم كما تُغرس شتلةُ زيتونٍ في أعالي جبال عفرين، أو كما تُغرس سنبلةُ قمحٍ في تراب الجزيرة وكوباني، لتذكّرهم بأنّ الوطن لا يُختصر في خارطةٍ ولا في حدود، بل في الذاكرة التي نحملها من حليب الأمهات إلى آخر أنفاسنا. بعد أن ودّع رفيقُ دربها عايد رفيقةَ دربه من المطار الألماني في طريقها إلى الوطن، لا كمن يودّع بل كمن يُكمل الطريق عنها.

ابن عمها هفراز حسكو، زوج شقيقتها مايا، كان بين الحاضرين، مثل امتدادٍ للدمّ والوفاء، يرافقها إلى مثواها الأخير في دوكر. هناك اجتمع آل حسكو، وأهل القرية، ورفاق الكلمة من الكتّاب والشعراء، وجموع القرّاء الذين أحبّوا صوتها من بعيد. لم يكن المشهد جنازةً بل احتفالاً بالوفاء، إذ بدا كل من حضر كأنّه يستعيد شيئاً من ذاته الضائعة في كلماتها. تحدّثوا عنها وعن قصيدتها وعن ذلك النقاء الذي ميّزها في زمنٍ صار فيه الادّعاء مهنةً، والمجاملة طريقاً إلى الظهور.

كانت مزكين تكره الزيف كما تكره الغياب. لم تسعَ إلى المنصّات ولا إلى الصور، وكانت تقول: الشعر لا يحتاج إلى مهرجانٍ ليتنفّس، يكفيه أن يولد من سموّ الروح. لذلك، ظلّت بعيدة عن كثيرٍ من مهرجانات المجاملة التي تُدار كما تُدار الصفقات، حيث تُوزّع الدعوات عبر تطبيقات المسنجر والواتس أب، وحيث يعتلي المنابر من يملكون الوقت للممالقة لا للكتابة. لم تكن تعرف كيف تُساير، ولم تكن تعرف كيف تُنكر ذاتها، لذلك لم تُنصفها المؤسّسات، كما لم تُنصف كثيراً من أدبائنا الحقيقيين.

رحلت مزكين كما تعود النسور إلى أعشاشها في آخر المساء، لا لتبني بل لتستريح، في محاكاةٍ لسموّ أنثى النسر، بعد أن صارت عنواناً لما يُكتب عن الكبرياء، وعن الهدوء الذي يسبق الغياب. وها هي الليلة تُقيم أمسيتها الشعرية في دوكر، بين التراب الحميم والحجارة القديمة وأصوات الأطفال الذين سيتذكرون اسمها حين يكبرون. تحدّث الأرضَ عن الغربة، والسماءَ عن الغدر، والريحَ عن الذين لم يفهموا أنّ الشاعرة لا تموت حين تموت، بل حين يُنسى اسمها. وهي لن تُنسى، لأنّ قصيدتها لم تكن مجرّد كلماتٍ، بل كانت وجهها وصورتها وصوتها جميعاً.

دوكر الليلة مضاءةٌ بدموعها، بالشموع التي أُشعلت فوق التراب، بالأصوات التي تردّد اسمها في صمتٍ. ثمة من يقول إنّها ابتسمت في نعشها، لأنّها أخيراً وصلت إلى البيت الذي انتظرها طويلاً. ذلك البيت الذي كتبت عنه وهي في المنافي، وقالت عنه إنّ الوطن ليس مكاناً نعود إليه، بل مكانٌ لا يغادرنا.

رحلت مزكين حسكو، لكنها تركت لنا وصيّةً مكتوبةً بالحبر والدمع: اكتبوا بالكردية ما دمتم أحياءً، لأنّ اللغة وطنٌ، ولأنّ الوطن حين يُكتب لا يموت.

وها هي الآن، في دوكر، تفتح ذراعيها للتراب الذي أنبتها، وتهمس كما لو أنّها تقول لكل من بقي:
“أنا لم أرحل، أنا عدت كما تعود القصيدة إلى بيتها الأخير.”

مزكين، سلّمي على جدّي حسن شيخ إبراهيم وعمّتنا هناك
سلّمي على أقرباء لكلينا، وكل من حولك أقرباء وذوو أهلنا الكرد جميعاً
أقرباء لشعبنا، لكلٍّ منهم مأثرته، ما دام كرديّاً أبياً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
فخري علي
فخري علي
3 شهور

رحمها الله واسكنها فسيح جناته وشكرته على كلماتك الرائعة المعبرة بصدق

اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في شتاء عام ١٩٦٨ وبعد حضوري مؤتمر جمعية الطلبة الاكراد في أوروبا المنعقد في العاصمة اليوغسلافية ( سابقا ) بلغراد ممثلا ( للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري – سابقا ) ، وعودتي عن طريق البر ( كمرحلة أولى ) بصحبة السكرتير الأسبق للحزب الديموقراطي الكردستاني الأستاذ – حبيب محمد كريم – الذي مثل حزبه بالمؤتمر والصديق الأستاذ – دارا…

كفاح محمود في منطقتنا مفارقة تُشبه الكوميديا السوداء: أنظمةٌ تُظهر براعةً مذهلة في فتح القنوات مع خصومها الخارجيين، وتُتقن لغة الصفقات حين يتعلق الأمر بالخارج… لكنها تتلعثم وتتصلّب وتُفرط في التعقيد عندما يصل الحديث إلى شعوبها ومكوّناتها، كأن المصالحة مع الآخر البعيد أسهل من التفاهم مع الشريك القريب، وكأن الدولة لا تُدار كمظلّة مواطنة، بل كحلبة لإدارة التناقضات وتأجيل الحلول….

شادي حاجي يُفترض أن يقوم النظام الدولي المعاصر على أسس قانونية وأخلاقية واضحة، أبرزها احترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، كما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان. غير أن الواقع العملي للعلاقات الدولية يكشف عن تناقض بنيوي بين هذه المبادئ المعلنة وبين آليات التطبيق الفعلي، حيث تتحكم اعتبارات القوة والمصلحة الجيوسياسية في صياغة المواقف الدولية. وتُعد القضية…

انا المواطن محمد امين شيخ عبدي المعروف بـ(( شيخ امين ))، والمقيم في دمشق، خريج سجون حافظ الاسد (( 100 شهر عرفي آب 1973 – تشرين الثاني 1981 ))، عضو المكتب السياسي للبارتي حتى آب 2011، وعضو هيئة رئاسة اعلان دمشق منذ عام 2007. اتقدم بطلبي ودعوتي هذه الى سيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع: اولا:اطالب باقالة كل من السادة: اللواء…