بيان وسط وغرب سوريا: فدرالية جديدة أم إعادة تدوير للوهم السياسي..؟

ماهين شيخاني

مدخل: من وهم المركزية إلى سؤال الفدرالية

في سوريا ما بعد 2011، لم يتوقف تدفّق المبادرات والبيانات السياسية التي تقدّم نفسها كخلاصٍ مرتجى أو كصيغة إنقاذية. لكن معظمها سرعان ما يتبخر مع أول اختبار للواقع.

في الرابع من تشرين الأول 2025، صدر ما سُمّي بـ”البيان التأسيسي للهيئة السياسية لوسط وغرب سوريا”، ليعلن عن مشروع إدارة سياسية محلية في الساحل وحمص وحماة. وبين سطور البيان، يطفو مصطلح ظلّ لعقود محرّمًا في القاموس السوري: الفدرالية.

السؤال المباشر: هل نحن أمام تحول حقيقي في بنية التفكير السياسي السوري..؟. أم أنّ ما جرى لا يتعدّى كونه إعادة إنتاج للعبة قديمة، بمفردات جديدة، تضاف إلى ركام الوهم السياسي المستمر منذ أكثر من عقد..؟.

بين الرمزية التاريخية ولعبة الشعارات

البيان لم يخلُ من حمولة رمزية كثيفة. استحضرت صياغته أوغاريت والفينيقيين، لتقديم المشروع كامتداد حضاري ضارب في الجذور. كما طرح أهدافاً براقة:

تعزيز الأمن والاستقرار.

تحقيق العدالة والمساواة.

إشراك المجتمع المدني.

تمكين المرأة.

احترام الإرث الثقافي والاجتماعي.

والأهم: التأكيد على أن الفدرالية هي الإطار الجامع لمستقبل سوريا.

لكن السؤال المركزي يبقى: هل تكفي الشعارات كي تبني كياناً سياسياً..؟. أم أن ما ينقص – كما جرت العادة – هو القوة الفعلية على الأرض، سواء بقاعدة شعبية أو بمؤسسات تحمي هذا المشروع من الذوبان..؟.

الفدرالية بين روزآفاي كوردستان والساحل: المفارقة الكبرى

منذ بدايات الثورة، ارتبط الحديث عن الفدرالية في سوريا حصرياً بالمشروع الكوردي في شمال وشرق البلاد (روج آفاي كوردستان). وكان ذلك كافياً كي يُتهم الكورد بالانفصال والتقسيم، وليُحاصر مشروعهم إعلامياً وسياسياً وعسكرياً.

اللافت اليوم أن يأتي خطاب شبيه من مناطق الساحل والوسط، أي من الجغرافيا التي شكّلت تاريخياً العمود الفقري للنظام المركزي. هذا التحوّل – إن كان جدياً – يعكس حقيقة جديدة: أن اللامركزية والفدرالية لم تعدا ترفاً كوردياً، بل باتتا خياراً يناقش في بيئات أخرى.

وهنا يطرح سؤال حساس:

هل الهدف هو التلاقي مع المشروع الكوردي لتوسيع دائرة القبول بالفدرالية..؟.

أم محاولة خلق “نموذج بديل” يُقدّم للخارج كخيار أكثر قبولاً من تجربة الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي، وبالتالي تهميش الدور الكوردي مرة أخرى..؟.

إقليم كوردستان العراق: من الرفض إلى النموذج

التجربة الكوردية في العراق تحمل عبرة مهمة.

عندما وُلد إقليم كوردستان مطلع التسعينيات تحت مظلة الحظر الجوي والدعم الدولي، رفضته بغداد ومعظم دول المنطقة واعتبروه خطوة نحو التقسيم. لكن ما الذي حدث..؟.

أوقف الإقليم نزيف الدم.

أسس تجربة فيدرالية دستورية معترف بها.

تحوّل إلى منطقة أكثر استقراراً نسبياً من باقي العراق.

اليوم، كثيرون ممن رفضوا هذه التجربة يحاولون السير على خطاها، أو على الأقل الاقتباس منها في إدارة مناطقهم.

هذا بالضبط ما يثير المفارقة في الحالة السورية: المشروع الكوردي الذي رفض يُعاد تدويره اليوم على ألسنة غيرهم، ولكن دون أن يُتهموا بالانفصال..!.

البعد الدولي والإقليمي: أوراق في لعبة الكبار

لا يمكن قراءة أي مبادرة سورية بمعزل عن الحسابات الإقليمية والدولية:

روسيا التي تهيمن على الساحل قد ترى في هذه الهيئة أداة لإعادة إنتاج نفوذها بغطاء مدني.

الولايات المتحدة قد تستخدمها كورقة تفاوضية للضغط على النظام وحلفائه.

تركيا ستجد فيها فرصة لتقول: “الفدرالية ليست مطلباً كوردياً فقط”، وتستخدمها كذريعة إضافية ضد روج آفاي كوردستان.

هكذا يتحول بيان محلي، في ظرف ساعات، إلى ورقة تفاوض في لعبة أمم أكبر من السوريين أنفسهم.

الكورد: أصحاب الحجر المرفوض

الكورد دافعوا لعقود عن الفدرالية، ودفعوا ثمن ذلك اتهامات التخوين والانفصال. واليوم، يُطرح المطلب نفسه من جهات أخرى دون أن يوصم أصحابه بالانفصال.

هذا المشهد يخلق مفارقة مؤلمة:

من جهة، قد يكون في صالح الكورد لأنه يوسّع دائرة القبول بالفدرالية.

ومن جهة أخرى، قد يحمل خطراً أن يُعاد تسويق الفكرة بصيغة “معدّلة” تُهمّش الكورد، وتُقصيهم من موقع الريادة في هذا المشروع.

الطريق بين الطموح والوهم

الأسئلة الجوهرية التي تواجه هذا البيان:

هل للهيئة الوليدة قاعدة شعبية راسخة، تتجاوز النخب السياسية..؟.

هل تملك قوة عسكرية وأمنية تحمي المشروع..؟.

أم أنها ستذوب تحت ضغط القوى المسيطرة على الأرض، كما ذابت عشرات المبادرات من قبل..؟.

بدون هذه الأجوبة، يظل المشروع معلقاً بين الطموح النبيل والوهم السياسي.

خاتمة: الفدرالية حجر الزاوية أم وهم معاد تدويره..؟.

الفدرالية في سوريا لم تعد ترفاً فكرياً. إنها ضرورة موضوعية في بلد أنهكته المركزية المطلقة، ومزقته الحروب الداخلية، وأعادت قواه الخارجية إلى ما قبل الدولة الوطنية.

لكن الفدرالية ليست شعاراً يُكتب في بيان، بل بناء يتطلب أساساً صلباً: إرادة شعبية، مؤسسات فاعلة، واعترافاً متبادلاً بين المكونات.

البيان التأسيسي لوسط وغرب سوريا قد يكون خطوة على طريق كسر “الطابو” حول الفدرالية، لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى حلقة جديدة من مسلسل إعادة تدوير الوهم السياسي.

ويبقى السؤال الذي يطاردنا:

هل سيكون هذا الحجر، الذي رُمي طويلاً على قارعة الطريق، هو نفسه حجر الزاوية الذي سيعيد بناء سوريا..؟.

أم أننا سنظل نحوم حول الخراب، نعيد إنتاج الأوهام، فيما ينهار السقف فوق رؤوس الجميع..؟.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…