النوايا السلمية تثبتها الأفعال وليس الأقوال!

نظام مير محمدي *

مع تفعيل آلين الزناد وإعادة فرض العقوبات على النظام الإيراني وعدم جدوى مختلف المحاولات التي جرت من أجل الحيلولة دون ذلك، وبعد أن وجد النظام نفسه أمام تحد أکبر من حجمه وسيٶثر حتما على مختلف الاوضاع القائمة في إيران، فإنه وبعد سلسلة من التصريحات المتشددة ذات الطابع الانفعالي، عاد ليضاعف من نبرة نواياه السلمية في برنامجه النووي وسعيه لحل الخلافات عن طريق مائدة التفاوض.

من الواضح إن عودة قادة النظام للعزف على وتر النوايا السلمية لبرنامجهم النووي بعد أن هددوا بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي وتغيير العقيدة النووية، جاء لأنهم يعلمون جيدا بأنهم ليسوا في مستوى هکذا موقف وحتى إن أوضاعهم من مختلف النواحي لا تسمح لهم بذلك ولأنهم يدرکون أيضا من إنهم يجلسون على برميل من البارود قد ينفجر بهم في أية لحظة، فإنهم يحاولون بشتى الطرق تدارك الموقف والحد من سيره بإتجاه نقطة اللاعودة.

الحقيقة الثابتة والتي لم يعد هناك من مجال أمام النظام لإنکارها هي إن الاتفاق النووي الذي تم إبرامه في تموز 2015، قد مات وذهب الى غير رجعة ولاسيما وإنه کان بمثابة تجربة مرة للمجتمع الدولي معه حيث لجأ في ظلها الى ممارسة کل أنواع الکذب والخدع من أجل مواصلة مساعيه السرية المشبوهة لحيازة القنبلة النووية.

ما يطالب به المجتمع الدولي اليوم مختلف تماما عما کان يطالب به بالامس ولاسيما بعد أن ثبت بأن النظام الإيراني لم يکن جادا في إلتزامه بتعهداته وواصل وبصورة مريبة مساعيه السرية من أجل إنتاج القنبلة النووية، علما بأن السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من جانب المقاومة الإيرانية کانت قد حذرت عشية إبرام الاتفاق النووي في عام 2015، من نوايا هذا النظام ومن ضرورة إتباع قواعد صارمة لمتابعته وعدم إتاحة المجال والفرصة له لمواصلة نشاطاته السرية المشبوهة، وهذا ما قد حدث فعلا وحتى إن وصول مستوى تخصيب اليورانيوم الى نسبة 60% وإخفاء أکثر من 400 کيلوغرام منه، يدل على إن النظام يثبت من خلال أفعاله خلاف ما يدعيه في أقواله.

ترکيز النظام الإيراني ولاسيما حکومة بزشکيان على النوايا السلمية للنظام من وراء برنامجه النووي ومن إنه يرغب فعلا في مواصلة التفاوض وإنه الطريق الى حل الخلاف بين الطرفين، ليس بذلك الاهمية الاعتبارية التي يمکن حملها عليها من قبل الدول المعنية بالتفاوض مع النظام الإيراني ولاسيما وإن مجرد قراءة سطحية عن التصريحات الصادرة بشأن النوايا السلمية للنظام يدل على إنها مجرد إمتداد للأسلوب الذي تم إتباعه خلال أکثر من 3 عقود من التفاوض.

المنعطف الذي قد وصل إليه هذا النظام بسبب من نواياه السرية المشبوهة، لا يمکن للنظام من عبوره وتجاوزه بطرقه التقليدية السابقة والتي يبدو واضحا بأن الدهر قد أکل عليها وشرب، بل إن عبوره مرتبط بنواياه التي تتطابق قولًا وفعلًا.

لا ينبغي أن ننسى أن النظام الإيراني يمتلك سجلاً سلبياً ومليئاً بالأكاذيب والتستر في مشروعه النووي، وهو نظام لا يمكن الوثوق به على الإطلاق.

ولدى الإيرانيين مثل يقول “دوصد گفته چون نیم کردار نیست”، (النوايا السلمية تثبتها الأفعال وليس الأقوال!) أي أن المرء يجب أن يُختبَر ويُقَيَّم بناءً على أفعاله وليس على أقواله. إن النظام الإيراني هو المصداق الواضح لهذا المثل؛ فهو لم يكن صادقاً أبداً في سلوكه وتصرفاته، ويسعى دوماً لشراء الوقت ليتمكن من تسليح نفسه بالقنبلة الذرية، التي يستخدمها لتهديد السلم والأمن العالميين من أجل ممارسة الابتزاز.

فمنذ ثمانينات القرن الماضي، عندما بدأت عملية تخصيب اليورانيوم، سعى نظام الملالي بشكل ممنهج للحصول على قدرات نووية تسليحية.

صرح خامنئي، زعيم النظام، في خطابه بتاريخ 23 سبتمبر، أن التخصيب قد وصل إلى مستوى 60%، وأن هذا المستوى ضروري للاحتياجات الداخلية، متجاهلاً بذلك الضغوط الدولية. تتلاشى هذه الادعاءات في ضوء الكشوفات الواسعة للمقاومة الإيرانية — التي شملت 133 حالة كشف على مدى 34 عاماً — ولا سيما الكشف عن المنشأتين النوويتين السريتين في نطنز وأراك في أغسطس 2002، والذي لعب دوراً حيوياً في منع النظام من الحصول على القنبلة الذرية.

لولا هذه الكشوفات، لكانت الديكتاتورية الدينية مسلحة اليوم على الأرجح بالسلاح النووي ووضعت العالم أمام الأمر الواقع. وتؤكد هذه الحقيقة على أهمية يقظة المجتمع الدولي، وتُظهر أن سياسة المماطلة والمساومة لم تكن مثمرة فحسب، بل أدت إلى تصعيد التهديدات.

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…