إلغاء عيد نوروز تكفير مقنّع وإنكار صريح للقومية الكوردية

د. محمود عباس

العلاقة الجدلية بين ما يُسمّى بالانتخابات التشريعية لمجلس “المكوّن السني التكفيري” الجارية اليوم في بعض المحافظات السورية، بمعزلٍ تام عن محافظتين ونصف في غربي كوردستان ومحافظة السويداء، وبين قرار إلغاء عيد نوروز كحق قومي مشروع من بين حقوق الشعب الكوردي، ليست مجرد صدفة سياسية؛ بل فضيحة فكرية وأخلاقية تكشف زيف الخطاب الذي تتلطّى خلفه حكومة الجولاني المؤقتة، وتفضح هشاشة مشروعها المزعوم لبناء “سوريا الجديدة”.

فما يجري ليس مجرد عملية انتخابية شكلية، بل خطوة جديدة نحو تثبيت سلطة عقائدية مغلقة، مطعونة فيها قانونيا، من البعدين الوطني والدولي، غابت عنها أدنى المستويات الديمقراطية في حالتي الترشيح والانتخابات غلبت عليها المحاصصة والتعيين، والكوتا، بشكل مباشر وغير المباشر، ليس لصالح المكونات القومية أو المرأة، بل كوتا للمجموعات التكفيرية، تُعيد إنتاج المنهج العنصري ذاته الذي اتّبعه النظام البعثي، لكن بثوب ديني جديد. يروج على أنه مسنود إلى دستور انتقالي، والدستور بحد ذاته مطعون فيه، تم رفضه من قبل جميع مكونات سوريا، ومن بينهم الشعب الكوردي وحراكه، باستثناء المكون السني التكفيري والمنظمات الإرهابية المكونة منها حكومة الجولاني.

في عهد النظام البائد، كان مجلس الشعب مجرد انعكاس لصوت البعث، واليوم يظهر المجلس الجديد كنسخة مكرّرة، ولكن بلغة التكفير، حيث تُحتكر السلطة التشريعية بالكامل بيد الجولاني، تحت ذريعة “المرحلة الانتقالية” و”ضرورة تصحيح الأخطاء” الذريعة ذاتها التي استخدمها البعث لعقود لتبرير القمع، تُعاد اليوم بوجه آخر وبمفردات جديدة تجمع بين التعصب القومي والتشدد الديني.

ومن أكثر ما يفضح هذا النهج، ليس فقط في البعد القانوني، بل الثقافي والسياسي والأخلاقي، فقد تم تعيين محمد طه الأحمد، أحد أساتذة الفقه الإسلامي رئيسًا للجنة التشريعية، في تجاهلٍ كاملٍ لمبدأ القانون المدني والدستور، وكأننا أمام تشكيل (مجلس الشورى) ولا يستبعد أن تشكل في القريب القادم (هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) تترأسها شخصيات غارقة في الكراهية والعنصرية كحسن الدغيم، المعروف بعدائه الصريح لمكونات سوريا، وبشكل خاص للكورد.

تسعى حكومة الجولاني عبر لجانها وأذرعها الإعلامية إلى تجميل وجهها أمام الرأي العام السوري والدولي، من خلال الحديث عن “الشراكة الوطنية” و”العدالة الاجتماعية”، لكنها في الواقع تعمل بخفاء على إعادة إنتاج فكر الإقصاء ذاته. وأوضح مثال على ذلك هو إلغاء (عيد نوروز) من جدول الأعياد الرسمية في سوريا، وهو ما يشكّل استنساخًا حرفيًا لسياسات البعث، التي كانت تنظر إلى الهوية الكوردية كتهديد ينبغي محوه لا كمكوّن وطني يجب الاعتراف به.

إن رفض الاعتراف بعيد نوروز لا يمكن تفسيره إلا من زاويتين أساسيتين:

الأولى إيديولوجية دينية، تنطلق من تصوّر الإسلام السياسي بأنّ “الأمة الإسلامية” هي وحدة الخلاص الوحيدة، وبالتالي لا مكان فيها لاعتراف قومي أو خصوصية ثقافية خارج هذا الإطار. أما الثانية سياسية تركية، إذ تنفّذ حكومة الجولاني تعليمات أنقرة حرفيًا، بما يضمن استمرار عدائها للشعب الكوردي وتقييد أي تطلّع فيدرالي أو وطني ضمن غربي كوردستان.

وحسب فقهاء هذه الحكومة التكفيرية، يُعتبر عيد نوروز “وثنيًا” لأنهم يربطونها بتاريخ الأديان الكوردية القديمة، ويعزلونها عن النضال الكوردي التاريخي ضد الاستبداد، ومن هذا المنطلق، اعترفوا بأعياد المسيحيين، وأغفلوا عن عمد أعياد اليهود، وصنّفوا نوروز كعيد “الكفار” استنادًا إلى فتاوى ابن تيمية التي ما زالوا يعبدون نصّها.

ولكي يُخفوا قرارهم العنصري، لجؤوا إلى الخدعة القديمة نفسها التي استخدمها البعث، فحوّلوا عيد نوروز إلى عيد الأم! وكأن بإمكانهم اختزال آلاف السنين من التاريخ والنضال القومي الكوردي في رمزٍ تجميليٍّ يليق بصفحات الدعاية لا بكرامة الشعوب.

الفرق بين البعث والجولاني لا يكمن في المضمون، بل في القناع، فالأول كان يمارس الاستبداد باسم “الوحدة العربية”، والثاني يمارسه باسم “الخلافة الإسلامية”. كلاهما يرفض الاعتراف بالآخر، وكلاهما يرى في الكوردي مشروعًا ناقص الولاء، يجب تذويبه أو نفيه، كلاهما حاولا طمس عيد نوروز.

إننا أمام جماعات تكفيرية فهمت الإسلام لا في جوهره القرآني، بل في انحرافاته التاريخية؛ جعلت من الدين أداة إقصاء لا رسالة سلام، ومن السياسة سلطة مقدسة لا مسؤولية إنسانية.

رفضهم لعيد نوروز ليس مسألة رمزية فحسب، بل هو إعلان صريح بأن الحوارات مع هذه الحكومة محكومة بالفشل منذ بدايتها، فقد بدأوا بإقصاء الحراك الكوردي من المؤتمر الوطني الأول، ثم تجاهلوه في تشكيل الحكومة، ثم كتبوا مسودة دستور لم تذكر الكورد مطلقًا، وها هم اليوم يتوجون مسارهم بالاعتداء على الرموز الثقافية للشعب الكوردي.

ولهؤلاء نقول:

الفرق بين ثقافة الشعب الكوردي ومفاهيم الجولاني وأتباعه، هو الفرق بين النور الأول وظلال التاريخ. فالكورد يحملون رسالة التعارف بين الشعوب لا محوها، والإيمان بالحرية لا الخضوع، وبالكرامة لا الاستعباد. أما الجولاني ومنظماته، فيسعون لتحويل سوريا من سجنٍ قوميٍّ كان يحكمه حزب عنصري وسلطة مجرمة، إلى سجنٍ عقائديٍّ يقيّد الضمائر قبل الأوطان، ويستبدل القهر الأمني بالوصاية الدينية، والعبودية الفكرية باسم الله.

إنّ حكومة الجولاني، حين تُنكر عيد نوروز، فهي لا تُلغي مجرّد مناسبة قومية، بل تمارس عملية محوٍ ممنهجة لهويةٍ عريقةٍ تمتد في عمق التاريخ، وتتنكّر لجوهر التعدد الذي قامت عليه سوريا منذ فجر حضاراتها. في إنكارها هذا، تُعيد إنتاج خطابٍ استبداديٍّ جديد باسم “التوحيد” و” الشرع”، محاولةً اغتيال رمزية شعبٍ هو من أقدم شعوب المنطقة، وثقافته التي قاومت الطمس قرونًا طويلة. إنها ليست إلا محاولة أخرى لتكريس دولة اللون الواحد والفكر الواحد، في وطنٍ وُجد ليكون فسيفساء من الأعراق والأديان والثقافات.

لكن سوريا الجديدة لن تكون دولة تكفيرية، ولن يُكتب مستقبلها في غرف المخابرات التركية، ولا على موائد تجار الدين الذين يستبدلون الاستبداد العسكري بالوصاية العقائدية. فالأمة التي قدّمت أبناءها من الكورد والعرب والسريان والآشوريين وغيرهم على مذبح الحرية، لا يمكن أن تُساق مجددًا إلى عبوديةٍ أيديولوجيةٍ باسم “المقاومة” أو “الشريعة”.

سوريا الحرة لن تُبنى على الإنكار، بل على الاعتراف المتبادل، وعلى المواطنة الحقة، وعلى فيدراليةٍ عادلةٍ تضمن لكل مكوّن حقه وكرامته. فكما فشل البعث في طمس نوروز وإلغاء الوجود الكوردي، سيفشل الجولاني وكل من سار على دربه، لأن الشعوب التي تعرف ذاتها لا تُلغى، وإن أُخرِس صوتها حينًا، فإنّ حريتها آتية لا محالة.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

5/10/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

تداولت بعض المنصات المؤدلجة ووسائل التواصل الاجتماعي المرتبطة بها خبر مفاده انني عارضت تعليم اللغة الكردية في المدارس في المناطق الكردية حين لقاء وفد البرلمانيين الكرد مع السيد وزير التربية والحقيقة هي كانت كالتالي أنا اقترحت ان نعمل على مسارين بنفس الوقت هما الحفاظ على اللغة الكردية وتطويرها بين الطلبة مع الحفاظ على مستوى تعليم متقدم ومتطور ولتحقيق الهدفين معا…

حسن قاسم تمر الحركة السياسية الكوردية في سوريا بمرحلة تختلف جذرياً عن المراحل السابقة، سواء من حيث طبيعة التحولات الإقليمية والدولية أو من حيث المتغيرات الداخلية في سوريا. ومن هنا، فإن استمرار العمل بالأساليب التقليدية لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الراهنة، بل قد يؤدي إلى مزيد من التراجع وفقدان فرص التأثير. أول ما ينبغي الإقرار به هو أن المرحلة قد…

تنكزار ماريني بداية اعتذر لكل القراء وخاصة قراء كتاباتي وقراء الأخ ابراهيم اليوسف على الكتابات التي كنت ارد فيها على كتاباته. برأيي انها تدخل في بوتقة المدح الشخصي وعرض العضلات وخلق عداوات وهمية وأنا بغنى عن ذلك. أخي سالار واستاذي رزو لم يعلمانني هكذا فاعتذر لهما على مابدى مني وأعلم أن مهمتي تقديم مادة للقارئ ليحولها الى سؤال وليس الكتابة…

أوجه شكري بداية إلى كل من أشرفوا على إدارة ” المؤتمر الأول لفيدراسيون الكتّاب الكوردستانيين في المهجر” الدياسبورا “في ” 25 تموز 2026 ” وممَّن حضروا المؤتمر من الزملاء الكتاب والمعنيين بقضية الثقافة ودورها الفاعل في بناء المجتمع، وتنوير قضيتهم للعالم، وأسهموا في دفع عجلته الثقافية إلى الأمام بنتائجه، وفي السياق، أوجّه شكري إلى اللجنة التي اختارت أسماء كتّابها الكرد…