الزّناد الذي أطلقه خامنئي على نفسه!

نظام مير محمدي *

لا يمکن للتصريحات الرسمية الصادرة من جانب المسٶولين في النظام الايران والتي تشير الى عدم الاکتراث بإعادة تفعيل آلية الزناد وإعادة فرض العقوبات الدولية على إيران، ولاسيما من حيث إيحائها بالقدرة على مواجهتها وتجاوزها، إذ إنها تبدو وکمن يحاول أن يحجب شعاع شمس ساطعة بغربال!

کل تلك التصريحات ليس بوسعها أن تغير من حقيقة إنه وخلال الاسابيع الماضية من التشاور الغربي ـ الإيراني، فإن الکرة کانت في ملعب طهران، وکان رد فعلها من سيرسم ملامح ومعالم الموقف الغربي منها، لکن المسٶولين الإيرانيين وکدأبهم في المماطلة والمناورة والمراوغة للإلتفاف على المطالب الاساسية وسعيهم للعب دور الضحية وإظهار الطرف الآخر بصفة الشرير، تصرفوا في هذه الفترة الحساسة کما کانوا قد تصرفوا قبل التوقيع على الاتفاقية النووية للعام 2015، وکان ذلك خطأ وإلتباس جعلهم بأياديهم يضعون أنفسه على طريق ذو إتجاه واحد ينتهي بخندق ناري يجب عليهم تجاوزه أو الخضوع للمطالب الغربية والقبول بها.

التصريحات التي أشرنا لها في البداية ليست في الحقيقة إلا مجرد ضوضاء وصرخات سرعان ما تخمد ولا تغير من مرارة الواقع شيئا، ذلك أن التأثيرات السلبية التي ستفرضها العقوبات الدولية على الاوضاع في إيران هي التي سيتم لمسها وليس تلك التصريحات التي هي هرطقة لا صدى ولا تأثير لها، وهذا ما يعلمه النظام جيدا ويدري بأنها لن تزيد الطين إلا بلة، وهذا ما قد عکسه موقع “خبر اونلاین” الحکومي في 28 سبتمبر 2025، في تصريحات عن حسن صمصامي، عضو البرلمان، حذر فيها قائلا: “نحن قلقون أكثر من الزناد الداخلي” مذکرا بتأريخ “الزناد الداخلي” بقوله:” إن نموذج وأسلوب صنع السياسات في الداخل والعقوبات الذاتية الداخلية لعبا دورا أكبر بكثير في خلق الأزمات الحالية من عقوبات الغرب وأمريكا”.

والمثير في تصريحات النائب المذکور على إظطراره لکشف النقاب عن حجم النهب والسلب الحكومي، مشيرا إلى ما هو “أبعد من الزناد”: “إن مواردنا من العملات الأجنبية، بدلا من أن تنفق على تنمية البلاد وتقدمها، أصبحت أرضا خصبة لتوسع المضاربات وإضعاف أسس الإنتاج والصناعة المحلية. هذا لم تعلمنا إياه الولايات المتحدة، بل اخترناه بأنفسنا. إنني قلق من جشع أصحاب الثروة الذي لا ينتهي أكثر من قلقي من ضغط الدول الأوروبية الثلاث على الزناد. وأؤمن إيمانا عميقا بأن قدرة التدمير من الداخل أكبر بكثير”.

وبنفس السياق الذي يدل على حالة التخبط والتناقض الجارية في داخل المنظومة الحاکمة في إيران، فقد أشارت صحيفة “هم ميهن” الحكومية في عددها الصادر في 28 سبتمبر إلى “فرحة” الزمرة المنافسة ووسائل إعلامها بتفعيل “الزناد”، واصفة ذلك بأنه دليل على أن “جذور مشاكل إيران تكمن في الداخل” وأنهم “متناغمون مع إسرائيل”: “لقد اتضح الآن أن جذور مشاكل إيران داخلية وليست خارجية أو في مجلس الأمن… نشهد الآن توافق بعض الأقسام السياسية الرسمية مع إسرائيل في قضية نهاية الاتفاق النووي بتنفيذ سناب باك”.

ويبدو واضحًا بأن خطورة الاوضاع في إيران بعد إعادة فرض العقوبات وضمن سياق الاحداث والتطورات الجارية في المنطقة بإتجاه التهدئة مع الاخذ بنظر الاعتبار تهميش دور النظام الإيراني إزدياد التضييق عليه وعلى وکلائه، تٶکد بأن الآتي سيکون ليس الاصعب فقط على النظام بل وحتى الاخطر بکثير لأن الامر سوف يمس مصيره!

بالنظر إلى هذا الوضع تحديداً، فإن ما نشاهده هذه الأيام في المواقع والوسائل الإعلامية الإيرانية هو أن بعد عودة قرارات مجلس الأمن الدولي، يبحث بعض الأطراف داخل السلطة عن كَبْش فداء (المقصّر).

فبعد إغلاق نافذة المساومة والتساهل وضياع الفرص الذهبية التي كان النظام يستغلها على مدى 45 عاماً لترسيخ محوره القائم على الشر وإثارة الحروب في المنطقة، يبحث هؤلاء عن الملوم خارج حدود إيران، في حين أن المتسبب الرئيسي يكمن في الداخل الإيراني وفي قمة هرم السلطة، أي الولي الفقيه.

إن الطلقة الأخيرة التي وجهت لسياسة المساومة لم تأتِ من الدول الغربية، بل جاءت من شخص خامنئي نفسه من خلال استراتيجيته المغامرة وتصريحاته الداعية للحرب، بالتزامن مع ذهاب مسعود بزشكيان إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.

على مدى الـ 45 عاماً الماضية، سواء أثناء فترة الاتفاق النووي (برجام)، أو قبل تفعيل آلية الزناد، وحتى بعد قرار مجلس الأمن الذي ورد في بيان الدول الأوروبية، ظل الباب مفتوحاً للمفاوضات والدبلوماسية. لكن النظام، خوفاً من السقوط والانتفاضة، يرفض تجرع كأس السم، وخامنئي يتشبث بعرشه الذي صنعه لنفسه لدرجة أنه يرفض تحت أي ظرف من الظروف التخلي عن هيمنته.

وفي أحدث المستجدات بتاريخ 4 أكتوبر 2025، وعقب قبول حركة حماس لمقترح الرئيس الأمريكي وخطة وقف إطلاق النار في غزة، صرّحت السيدة مريم رجوي في موقف أعلنته أمانة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بما يلي:

“… كما أعلنت المقاومة الإيرانية دائماً، فإن الديكتاتورية الدينية والإرهابية الحاكمة في إيران هي السبب الأهم للإرهاب، واحتجاز الرهائن، وإشعال الحروب، وعرقلة السلام على مدى العقود الماضية. إن القمع والقتل في الداخل، وإشعال الحروب وتصدير الإرهاب، والسعي للحصول على القنبلة الذرية، هي الأركان الأساسية الثلاثة لاستراتيجية بقاء الفاشية الدينية الحاكمة في إيران… لقد استغل النظام الإيراني القضية الفلسطينية بشكل كبير على مدى الـ 45 عاماً الماضية، وعمل على إطالة وتفاقم معاناة الشعب الفلسطيني من خلال تصدير الأصولية، وإثارة الفرقة، ومحاولة اغتيال قادة منظمة التحرير (الفلسطينية).”

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…