مكافحة القوارض المسلحة

ماجد ع محمد

بعد دخول منطقة عفرين الواقعة في أقصى شمال سورية مرحلة جديدة مع سقوط النظام البعثي في دمشق، وتراخي قبضة الكتائب المسلحة التي لم يعد لها مبرر وجودي في المنطقة التي حوَّلتها ثلة من الفصائل الفاسدة إلى ما يشبه صحراء عقولهم، وذلك بسبب العدوان المستمر على الطبيعة بعد البشر، حيث بدؤوا بحملات البتر والتحطيب الجائر منذ عام 2018 إلى عام 2025، وطبعًا كان يتم ذلك على مسمع ومرأى درونات راعي تلك الفصائل الذي يحرم في بلده قطع شجرةٍ واحدة في شوارع مدنه ـ ولو كانت تلك الشجرة ميتة ـ بدون موافقة رسمية من الجهات المعنية في الدولة، أما أن تُباد الغابات وتُجرف المواقع الأثرية وتزهق أرواح المزارع من قِبل أدواته خارج حدوده فهذا آخر ما يهتم به أو يلتفت إليه سيادة الراعي!

على كل حال، فعقب استلام سلطة دمشق المنطقة رسميًا وإنهاء مهام تلك الفصائل على مراحل وباستحياء، تتالت المبادرات الأهلية لإعادة الحياة المدنية للمنطقة وإنعاش البيئة التي لم تسلم من أنياب المسلحين خلال الفترة السابقة، حيث أطلق فريق “أبناء الزيتون” في اليومين الماضيين حملة أخرى من حملات تنظيف وتشجير منطقة عفرين، داعين جميع الأهالي للمشاركة والتعاون من أجل بيئة أنظف ومظهر أجمل للمدينة، انطلاقًا من إيمانهم بأن “عفرين لا يليق بها إلا الجمال”.

ولا شك أن جهود إعادة الطبيعة إلى ما كانت عليه قبل 2018 جديرة بالتقدير والثناء، كما أن تعلق أبناء المنطقة في الخارج والداخل بالطبيعة الخلابة لقراهم وحبهم الجم لإعادة تلك المضارب إلى سابق عهدها هو محط احترام وتوقير، ولكن حبذا لو جاءت مبادرات الأهالي وحملاتهم الحماسية بالتوازي مع خطة السلطة الجديدة الخاصة بحماية البيئة، وإصدارها قرارات صارمة تمنع منعًا باتًا إعدام الأشجار من قِبل بقايا العناصر التابعة للفصائل المسلحة التي تحوَّلت عفرين الخضراء خلال سنوات تسلمهم الحكم والسلطة فيها إلى ما يشبه البيداء.

وطبعًا نقول هذا ليس تجنياً على الجحافل المسلحة ولا لكي نثبط عزائم أصحاب المبادرات المباركة، إنما لأنه في الوقت الذي باشر فيه فريق من الأهالي بإعادة إحياء إحدى الحدائق منذ فترة قصيرة جدًا في قلب مدينة عفرين، فلم تمض أيام حتى جُرّدت الحديقة مجددًا من كل أشياء الحياة فيها، ونفس الأمر يحصل مع زراعة الأشجار هنا وهناك في المنطقة، إذ ثمّة إرادتان تتصارعان هناك: إرادة العناصر المسلحة التي لا يستطيع أبناء المنطقة العزّل صدهم بما أنهم غدوا الآن محسوبين على السلطة الجديدة، مقابل إرادة الأهالي الذين يحاولون جاهدين إعادة الغطاء النباتي إلى المنطقة ولو في أضيق الحدود.

وهذا يعني بأن المشكلة الرئيسية التي تواجه قضية إنعاش البيئة، وإعادة التشجير في عموم منطقة عفرين، ليست الجفاف وقلة الأمطار، ولا فقدان الشتلات القابلة للزراعة، ولا هي في قلة من يزرع، إنما في كثرة المخربين الذين يهمهم اقتلاع كل شيء قابل للبيع كحطب. لذا فقبل إقامة مشاريع التشجير، وقبل إطلاق حملات الزراعة، فعلى السلطة أو البشر الذين يعتبرون أنفسهم مسؤولين أو معنيين بهذا الأمر في عفرين، وقبل كل شيء، التخلص من القوارض المسلحة التي تقضم الأخضر واليابس من أشياء البيئة من أجل إنعاش جيوبهم النهمة لاستجرار كل ما هو غير قانوني، وغير شرعي، وغير إنساني، وغير جائز وحرام، وذلك حتى لا تذهب جهود المشاركين في الحملات وكذلك الأموال التي يتبرع بها الناس من أجل الغطاء النباتي سدى.

لذا نؤكد مرة أخرى على أهمية ردع الفئة البشرية المستمرة بالتخريب العمد قبل الشروع بالبناء، وأن يتم تضييق الخناق قانونيًا في المحاكم وفعليًا على أرض الواقع على الكائنات الفاسدة واللصوص المسلحة قبل التفكير برفع سياج المنازل أمامهم.

وفي هذه المناسبة يحضرني قول الفيلسوف الإسلامي والرئيس السابق لجمهورية البوسنة والهرسك علي عزت بيجوفيتش: “لا تقتل البعوض وإنما جفف المستنقعات”، وعفرين قبل البدء بحملات التشجير المنظمة هي بحاجة ماسة لتنظيف المنطقة من القوارض المسلحة التي تعادي كل ما هو أخضر، تلك الكائنات التي كانت سابقًا تدب على الأرض ضمن صفوف فصائل الجيش الوطني السوري، والآن فئة كبيرة منها صارت ضمن صفوف الجيش الجديد والأمن العام. فمن دون مكافحة هذه الكائنات الضارة بالبيئة والناس في عموم المنطقة، لن تعود الخضرة للمنطقة كما كانت، ولا حتى سينعم الأوادم فيها بالأمن والسلام.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…