مزكين حسكو في خلود أبديتها

إبراهيم محمود

شاعرتنا الكردستانية مزكين حسكو” 1973-2025 ” حطَّت رحالها الأبدي في مختتم الشهر التاسع لسنة ” 2025 ” كما لو أن روحها اتفقت مع خريف مشهود له بذبول أوراقه في بلادنا، وكان هو وضعها الجسمي الذي أبى مرضها العضال أن يدعها وشأنها، وهي تعيش آلامه طويلاً طويلاً، وخاصة في الأشهر الأخيرة، ليذبل هذا الجسم، سوى أن شجرة روحها، اسمها الذي احتضنته الأبدية بجدارة، هي التي تلقَّت سمو الاسم وما وقّع في ظله كردستان: حب أرض، وحب شعب، وحب لغة ” لغتها الأم ” كغيرها طبعاً، حب إنسانية لم تفارق ذائقتها الإبداعية، وانفتاحها الوجداني على كل ما يحيط بها وهي في عالم الاغتراب، وهي تتنفس التوق المستمر إلى كردستانها وشعب كردستانها، وكل من له صلة بالحياة المشتركة، أبعد من حدود ” تربه سبي ” التي أودعتها الكثير من استشراقاتها الروحية صغيرة وترعرعت صبابة حياة، وشبت عن الطوق وفي روحها ما يعدّها لما هو استثنائي : أن تصبح شاعرة توحدت في نصوصها الشعرية وتوأمها النثري، جغرافية معذبة كردستاية، وها هي تحتفي بها روحاً متجذرت في الذاكرة الجماعية الحية لشعبها هنا وهناك.

لا أستطيع الكتابة أكثر مما كتبت، وقد كان بيننا تواصل مستمر، حتى مشارف صيفنا الموغل في الحرارة اللهابة وأوجاعها، لتمضي في غيبوبتها، وقبل هذا الحلول القسري جسدياً، وهي تعلِمني بحالتها المرضية، وكلّي انهماك بكيفية نشر كتابي عنها” سماء على أرضها ” متناولاً تجربتها الشعرية وضمناً الحياتية تلك المتفاعلة معها، ربما في علاقة مغايرة لكل ما كتبتُ في هذا الشأن، محاولاً نشر الكتاب وهي بكامل يقظتها الجسدية، وفي الوقت نفسه، كنت أكابد، من جهتي أوجاع ضيق التنفس، ودورات مدوخة في العلاج هنا وهناك، ليحدث بيننا انقطاع، لأسباب خارج إرادتها وإرادتي، حيث المرض في وضع يشتد فيه، وهو يضيق الخناق على الروح نفسها، وأبصر الكتاب النور منذ قرابة شهرين، ولا أدري ما إذا كانت رأته أم لا، حيث الاتصال بيننا انقطع، وجرّاء وضعي الصحي حيث لم أزل ” تحت العلاج ” لأفاجأ برحيلها الأبدي هذا الصباح : الخميس ” 2-10/ 2025 ” وقد جاءني خبر النعي الصادم من هناك حيث تستقر روحها” في ألمانيا “. لا حيلة لي، ولا لأي كان في وضع كهذا، سوى النظر إلى البعيد إلى الروح التي أخلصت لإنسانيتها ورحابتها وشعبها وتاريخه واستماته في الدفاع عن نفسه ووجوده، وليس لي سوى أن أنظر عالياً، حيث تكون إشراقة روحها، حيث تكون ابتسامة شاعرة مزكين حسكو، كما لو أنها هي نفسها تعزّينا في مصابنا الجلل، تاركة كنزها الإبداعي لنعيش حيواتها من خلالها.

سلام على روحك الأبدية يا مزكين حسكو، وعزائي من هناك وأنا أتنفس هواء دهوك الحزين، حسب تقديري، لأفراد عائلتك، وأهلك وأحبتك، وأراهم كثراً، وأنت تستحقين مثل هذه الكثرة المعتبرة، يا ربيبة كردستان وأنت نجمة ” سماء على أرضها “!

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…