من أرقى الشعوب… إلى حافة الظلام.. سوريا… بين طعنات الداخل وتآمر الخارج

ماهين شيخاني

أنا كمواطن كوردي سوري، نشأت داخل حدود سايكس– بيكو التي فرّقت الأوطان وقسّمت الشعوب، عرفت معنى الظلم والحرمان. شعبي الكوردي ذاق التهميش والاضطهاد لعقود طويلة، لكن مع ذلك لم أفقد يقيني بأن الشعب السوري بكل مكوّناته كان من أرقى الشعوب في المنطقة، بل وعلى مستوى العالم: شعب متعلّم، طيب، منفتح، قادر على الإبداع، وعلى التعايش رغم الفقر والقيود.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: ماذا حصل..؟.

كيف تحوّل هذا الشعب، الذي كان يفيض بالحياة والكرامة، إلى واقعٍ يقترب من عصور الظلام..؟.

الحقيقة أن الانهيار لم يأتِ فجأة. لقد تكاتفت عوامل الاستبداد الداخلي مع التدخلات الإقليمية والدولية. عشرات السنين من القمع السياسي جعلت المجتمع هشّاً، ثم جاءت الحرب لتكمل الدائرة: عنف دموي، تهجير، انقسام، وتلاعب بمصير الناس على موائد القوى الكبرى. بدل أن تُستثمر طاقات السوريين في البناء والنهضة، استُنزفت في الصراع والاقتتال، حتى بدا وكأن هناك من يتعمّد إرجاع سوريا إلى الوراء.

والأخطر من ذلك أن بعض القوى الداخلية شاركت، بوعي أو بدونه، في هذا المخطط. انقسامات حزبية، صراعات شخصية، وتناحر بين أبناء الشعب الواحد جعلت المستبدين والمتدخلين أقوى، بينما الضعف تمكّن من الداخل. هنا تكمن المأساة: لم تعد المشكلة فقط في الحكومات، بل أيضاً في اليد التي طعنت من الداخل.

ومع ذلك، يظلّ شيء لا يقبله المنطق: كيف يمكن أن يُمحى تاريخ شعب بهذه العراقة..؟. كيف يُراد له أن يتحوّل من شعب كان يُضرب به المثل في الكرم والثقافة والإنسانية، إلى مجرد خبر في نشرات المآسي..؟.

إن الشعب السوري يستحق أن يُعاد إلى مكانته الطبيعية: شعباً حياً، منتجاً، متفرداً، لا يُختزل في الخراب ولا يُمحى بالاستبداد. القضية ليست فقط سياسية، بل قضية وعي وذاكرة وهوية. سوريا لا تحتاج إلى إعادة إعمار الحجر فقط، بل إلى إعادة بناء الإنسان الذي أُهين وقُمِع وقُتِل.

قد يطول الطريق، لكن يبقى الأمل أن يعود السوريون، بكل قومياتهم وأديانهم، إلى مشروع وطني جامع، يحمي كرامتهم، ويعيد لهم ما سُلب منهم. فما من قوة قادرة على قتل الشعوب إذا أرادت الحياة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في شتاء عام ١٩٦٨ وبعد حضوري مؤتمر جمعية الطلبة الاكراد في أوروبا المنعقد في العاصمة اليوغسلافية ( سابقا ) بلغراد ممثلا ( للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري – سابقا ) ، وعودتي عن طريق البر ( كمرحلة أولى ) بصحبة السكرتير الأسبق للحزب الديموقراطي الكردستاني الأستاذ – حبيب محمد كريم – الذي مثل حزبه بالمؤتمر والصديق الأستاذ – دارا…

كفاح محمود في منطقتنا مفارقة تُشبه الكوميديا السوداء: أنظمةٌ تُظهر براعةً مذهلة في فتح القنوات مع خصومها الخارجيين، وتُتقن لغة الصفقات حين يتعلق الأمر بالخارج… لكنها تتلعثم وتتصلّب وتُفرط في التعقيد عندما يصل الحديث إلى شعوبها ومكوّناتها، كأن المصالحة مع الآخر البعيد أسهل من التفاهم مع الشريك القريب، وكأن الدولة لا تُدار كمظلّة مواطنة، بل كحلبة لإدارة التناقضات وتأجيل الحلول….

شادي حاجي يُفترض أن يقوم النظام الدولي المعاصر على أسس قانونية وأخلاقية واضحة، أبرزها احترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، كما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان. غير أن الواقع العملي للعلاقات الدولية يكشف عن تناقض بنيوي بين هذه المبادئ المعلنة وبين آليات التطبيق الفعلي، حيث تتحكم اعتبارات القوة والمصلحة الجيوسياسية في صياغة المواقف الدولية. وتُعد القضية…

انا المواطن محمد امين شيخ عبدي المعروف بـ(( شيخ امين ))، والمقيم في دمشق، خريج سجون حافظ الاسد (( 100 شهر عرفي آب 1973 – تشرين الثاني 1981 ))، عضو المكتب السياسي للبارتي حتى آب 2011، وعضو هيئة رئاسة اعلان دمشق منذ عام 2007. اتقدم بطلبي ودعوتي هذه الى سيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع: اولا:اطالب باقالة كل من السادة: اللواء…