غياب الجرأة في طرح المطالب القومية الكردية 

عبدالعزيز قاسم
منذ عقود، يعاني الشعب الكردي في سوريا من سياسات الانكار والتهميش السياسي والثقافي، والحرمان من أبسط حقوقه القومية، كالتعليم باللغة الأم والاعتراف بهويته القومية، إضافة إلى ممارسة السياسات العنصرية ومشاريع التعريب والتغيير الديمغرافي لمناطقه التاريخية منذ تأسيس الدولة السورية، ورغم التغيرات الجذرية التي شهدتها سورية بعد عام 2011 والى يومنا، فإن الأداء السياسي للأحزاب الكردية بقي في معظمه، أسيرا لحسابات ضيقة ومرتهنا لخطاب باهت يفتقر إلى الجرأة والوضوح في طرح المطالب الكردية الجوهرية.
تتجنب معظم الأحزاب الكردية في سوريا — خاصة تلك التي تدّعي تمثيل الشارع الكردي — طرح قضية الحقوق القومية بشكل واضح، وتلجأ بدلًا من ذلك إلى شعارات فضفاضة مثل “أخوة الشعوب” و”الأمة الديمقراطية” و”التآخي العربي الكردي”، وكأن المشكلة الكردية مجرد سوء تفاهم بين مكونات المجتمع، لا قضية سياسية تتطلب حلًا جذريًا ودستوريًا. هذا الخطاب، رغم طابعه التصالحي، يخدم في جوهره السلطة المركزية الحاكمة، لأنه يكرّس سياسة الإنكار ويدفن المطالب الكردية تحت عناوين وطنية عامة لا تسمن ولا تغني من جوع.
يبدو أن الأحزاب الكردية تتهرب من تحميل الدولة السورية مسؤولية إنكار الحقوق، وتخشى من إثارة حفيظة القوى الإقليمية أو الظهور بمظهر “الانفصالي”. لكن هذه الحسابات الحذرة لم تحقق أي مكاسب فعلية، بل زادت من فقدان الثقة بين الشارع الكردي وتلك الأحزاب، وأدت إلى تآكل شعبيتها بين الجيل الجديد الذي بات يطالب بخطاب أكثر صراحة وجذرية.
فالمطالب الكردية لا تقتصر على “الاعتراف بالخصوصية الثقافية”، بل تشمل الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي وحقوقه القومية كقضية شعب يعيش على أرضه التاريخية (كردستان سوريا أو الغربية).
وبالتالي لا يمكن اختزال المطالب الكردية في كلمات مثل “التعايش” أو “التآخي”، التي لم تعد تقنع أحدًا في ظل غياب أية خطوات ملموسة من الجانب الرسمي والعربي.
إن استمرار الأحزاب الكردية في ترديد الشعارات الوطنية التقليدية، دون امتلاك الجرأة لطرح القضية الكردية بوضوح، لا يخدم سوى القوى التي تسعى لتجميد الواقع كما هو، وإبقاء الكرد في موقع المتفرج على مسرح الصراع السوري. 
المطلوب اليوم هو خطاب سياسي جديد جريء، مثل خطاب الطائفة الدرزية، يعكس بوضوح طموحات الشعب الكردي ويطرح مطالبه بلسان واضح لا يخشى الاتهامات ولا يختبئ خلف مفردات التعميم والشعارات الباهتة.
إن شعبنا تعرض للحرمان والاضطهاد لعقود، لا يليق به إلا حركة سياسية شجاعة تعبّر عن آلامه وطموحاته، وتطرح قضيته كقضية قومية وشعب له الحق في تقرير مصيره والعيش في كيان قومي موحد، لا كملحق هش ضمن توافقات لا تمثل ولا تعبر عن جوهر القضية الكردية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ادريس عمر منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ…

صلاح عمر ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن…

سمكو عمر لعلي قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم. وهنا…

شـــريف علي لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة…