حين قرر الجولاني تقسيم المجرة

ياسر بادلي

في زمنٍ تتكاثر فيه الوجوه على مسرح السياسة كما تتكاثر الفطريات في الظلام، خرج الجولاني ذات مساء، ممتشقًا صوته المتوتر، ليحذرنا من مخاطر المطالب الكردية لا بمنطق سياسي، ولا بفهم تاريخي، بل بخطابٍ بدا كأنه نوبة هلوسة جماعية، أو مناجاة بين الجنون والجهل، أو محاولة متأخرة لاستعراض فهم كوني مفقود.

وقف الرجل وقالها بثقة من يظن نفسه يُمسك بخيوط توازن المجرة:
إذا طالب الكُرد في سوريا بنوع من أنواع التقسيم، ستنقسم تركيا والعراق، وستنفصل إيرلندا الشمالية عن إنكلترا، وسينشق إقليم كاتالونيا عن إسبانيا، وستنفصل تكساس وكاليفورنيا عن الولايات المتحدة. بدا وكأننا أمام فيلم خيال علمي لا أمام حديث عن حقوق قومية أو قضايا داخلية في بلد أنهكته الحرب، وانتهكت فيه الجغرافيا والتاريخ.
عبارة واحدة كانت كافية لقلب الطاولة، لا على السياسة فحسب، بل على المنطق ذاته. وكأن الحقوق خطر ذري، وكأن مطالب الشعوب ليست شأنًا وطنيًا مشروعًا، بل الشرارة الأولى لفناء البشرية وانهيار المنظومة الكونية. ولو أُتيح له الوقت والخيال أكثر، لأضاف دون تردد أن حربًا عالمية ستقوم، وستنفصل الأرض عن المجرة الشمسية، وتنفلت الكواكب من مداراتها، وتنقرض البشرية كما انقرضت الديناصورات، وتتحول البحار إلى صحارى، والأنهار تنقلب على أعقابها، وينهار الكون كبيت من ورق.

كنا ننتظر طرحًا سياسيًا، حلاً، رؤية، مقاربة واقعية ناضجة.
فإذا بنا أمام حفلة من الخيال المرضي. لا حديث عن المواطنة، ولا عن الدستور، ولا عن إعادة بناء الدولة، بل عن انهيار العالم إن عبّر شعب عن رغبته في الاعتراف بهويته. في لحظة من الصدق غير المقصودة، لخّص الجولاني موقفه بجملةٍ عابرة لكنها كانت جوهر حديثه كله: “ليس لديّ أي حل لأي مشكلة، ولا أصلح لحكم سوريا”. وللمرة الأولى، وربما الأخيرة، نكاد نتفق معه. لا مشروع، لا فهم، لا مقاربة تاريخية ولا سياسية. فقط رغبة عارية في التسلط، ملفوفة بخطاب خشبي، وتصورات مشوهة عن الدولة والمجتمع.
هناك جهل بسيط يمكن تجاوزه بالتعلّم. وهناك جهل مركب، يتزيّن بثياب الخطابة، ويقدّم للعالم نظريات كوارثية على هيئة نبوءات.
وعندما يُقال للكردي في سوريا إن مطالبته بحقوقه تهدد بزلزال جيوبوليتيكي عالمي، فاعلم أن العقل قد غادر هذا الحوار، ولم يترك خلفه سوى شعارات جوفاء ومفردات مرعوبة من الحقيقة.
لم يقل لنا الجولاني ما الذي يريد فعله بسوريا، لكنه لمح بوضوح في مكان آخر قائلاً: “سأحكم أسوأ من بشار الأسد”.
وقد يكون هذا هو الصدق الثاني الوحيد في خطابه.
لا فرق بين خطاب يبرر الديكتاتورية، وآخر يحذر من المجرة إذا نال الناس حقوقهم.
في الحالين، نحن أمام عقلية لا تؤمن بوطن، بل بسلطة.
لا تؤمن بدولة، بل بمزرعة. لا ترى في التنوع ثراءً، بل تهديدًا يجب سحقه.
الخطر الحقيقي ليس في الكرد، ولا في الأقليات، ولا في التنوع السوري الممتد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. الخطر الحقيقي يكمن في أولئك الذين يرون في الوطن ساحة نفوذ، وفي الدولة غنيمة، وفي الشعوب قنابل موقوتة.
ما قاله الجولاني لم يكن تصريحًا سياسيًا، بل نكتة تاريخية. لم يكن خطابًا، بل إعلان فشل سياسي علني.
والأسوأ أنه لم يكن يدرك أنه يكشف كل هذا بلسانه، وبكل هذا الإصرار.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زار وفد من المنظمة الآثورية الديمقراطية ضم السيد كبرئيل موشي مسؤول المنظمة والسيد بشير سعدي نائب المسؤول، والسيد ريمون يوخنا عضو الأمانة العامة، مكتب المجلس الوطني الكردي في دمشق، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق المشترك. وكان في استقبال الوفد الأستاذ نعمت داوود، عضو هيئة رئاسة المجلس، والأستاذ لقمان أوسو، رئيس محلية دمشق، حيث بحث الجانبان لقاء رئاسة المجلس مع…

شارك وفدٌ من ممثلية أوروباللمجلس الوطني الكردي في سوريا في إحياء الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد المناضل نصرالدين برهك عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وضمّ الوفد كلاً من السيد عبد الكريم حاجي رئيس ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا، إلى جانب وفدٍ من مكتب العلاقات شمل كلاً من كاميران خلف برو مسؤول مكتب العلاقات، وجنكيدار محمد، وباران درباس….

عبدو خليل Abdo Khalil أواخر صيف عام 2012 كنت قد لجأت للقرية هربا من مخاطر الاعتقال.. كانت المنطقة سلمت بالكامل من قبل النظام السوري للعمال الكردستاني ولم يتبقى سوى بعض عناصر الأمن المكلفين بالمراقبة عن بعد.. جاء يوم َرفع فيه فتية وفتيات قريتنا نازواوشاغي علم الثورة فوق مسجد القرية.. سرعان ما أصاب الذعر زعران قنديل.. نزلوا العلم وتوعدوا أهل القرية…..

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…