الكتلة الوطنية لماذا تتنكرون للفيدرالية وتعيدون إنتاج خوف الماضي؟

د. محمود عباس

من أغرب ما نلاحظه في سلوكيات النخبة الوطنية السورية، وخاصة من الإخوة العرب، أنهم حين يكونون خارج الأطر الحزبية والتنظيمية يظهرون أكثر انفتاحًا على الحوار، وأكثر استعدادًا لتبني مبدأ اللامركزية السياسية والنظام الفيدرالي. غير أن المشهد ينقلب رأسًا على عقب بمجرد انخراطهم في تشكيل كتلة سياسية أو إطار تنظيمي جديد؛ إذ يتنكرون لمواقفهم السابقة، ويعودون إلى ذات المسارات البالية التي جرّبتها الأنظمة السلطوية مرارًا وانتهت إلى الفشل.

وعندها يفرغون خطابهم من جوهره، ويملؤونه بمصطلحات وطنية مصقولة، ولغة أدبية–قانونية منمقة، تُستخدم كغطاء لإخفاء ما يؤمنون به في داخلهم لكنهم لا يتجرؤون على إعلانه، وكأنّ رهبة الماضي ما زالت تكبّلهم، أو كأنّ رعب السلطة القديمة يلاحقهم حتى في حاضرهم، فيشل إرادتهم كلما اجتمعوا على صياغة بيان أو تأسيس كيان جديد.

والأغرب من ذلك أنهم كثيرًا ما يرددون بأنهم لا يريدون مواجهة الشارع، مع أنهم يُفترض أن يكونوا قادته، ولا يريدون مواجهة المجتمع، مع أنهم يدّعون تمثيله وقيادته، فيتحول خطابهم إلى مراوغة دائمة، تُبقيهم أسرى الخوف والتردد، بدل أن يكونوا طليعة التغيير وصوته الصريح.

وهذا ما تجلى مؤخرًا في خطاب (الكتلة الوطنية السورية) التي ضمّت في صفوفها شخصيات معروفة بأنها من أشد المناصرين للفيدرالية، لكنها اليوم تطرح نموذجًا هزيلاً من “اللامركزية” البيروقراطية، لا يرقى حتى إلى مستوى إصلاح إداري، مسبوقًا بتهديد مبطن ضد كل من يرفع شعار (الانفصال أو التقسيم) وهذه اللغة، في حقيقتها، موجهة بالدرجة الأولى ضد الشعب الكوردي والدرزي، وهو ما يكشف بوضوح أن الثقة بينهم وبين هذه القوى مفقودة، مثلما انعدمت الثقة بالأنظمة السابقة التي ادّعت الوطنية فيما كانت تعمل على تقويضها،

وهذا ما لم نكن نتوقعه من الكتلة، خاصة وأن الشخصيات الرئيسة المكونة لها معروفة لدينا بأنها محل ثقة، وبعيدة عن مثل هذا الارتهان.

إن المصطلحات المنمّقة عن “فصل السلطات” و“حقوق المواطنين” و“القوانين فوق الدستورية” لا تساوي شيئًا ما دامت تُختزل في النهاية إلى صيغة جوفاء تُسمى “دولة المواطنة”. فأي مواطنة يمكن أن تُبنى في بلد مدمر لا بنية تحتية له، ولا رصيد ثقافي أو اجتماعي متماسك، غارق حتى أذنيه في الصراعات الطائفية والقومية؟ إن أي تجاهل لهذه الحقائق ليس سوى تكريس لصراع داخلي جديد يتغذى من تحت الرماد.

على من صاغ بيان الكتلة الوطنية ومبادئها “الملزمة” أن يواجه الواقع بصدق لا بمراوغة، فبدون نظام لا مركزي سياسي حقيقي، قائم على فيدراليات قومية ومذهبية واضحة المعالم، ستنتهي سوريا إلى الانقسام بعد أن تُسفك دماء تعادل أو تزيد عمّا سُكب في الماضي. التذرع بالتداخل الديمغرافي لن يغيّر من الحقيقة شيئًا، فهذا بالضبط ما استثمرته الأنظمة الفاسدة المتعاقبة – من البعث إلى الأسد المقبور ثم الوريث المجرم، إلى الإرهابي اليوم – لتفخيخ الجغرافيا السورية.

وبكل وضوح، سياسيًا وقانونيًا وإداريًا، لا يمكن للشعب الكوردي أو الدرزي أو العلوي أن يثق بأي سلطة مستقبلية ما لم تُعترف لهم بفيدراليات خاصة تمثلهم وتضمن حقوقهم. بالنسبة للكورد، هذا يعني فيدرالية غربي كوردستان، الممتدة من حدود لواء إسكندرون، مرورًا بعفرين، قلب غربي كوردستان النابض، وصولًا إلى ضفاف نهر دجلة جنوب تل كوجر، وباتجاه جبال شنكال، عندها فقط يمكن الحديث عن سوريا جديدة تُبنى على التوازن والعدالة، لا على شعارات جوفاء تُخفي تحتها بذور التفكك.

فالقضية ليست في صدق الأفراد بقدر ما هي في طبيعة الإطار الذي يبتلعهم؛ إذ تتحول الثقة بالنوايا إلى عبء، حين يُعاد إنتاج الخوف ذاته في ثوب جديد.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

13/9/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زار وفد من المنظمة الآثورية الديمقراطية ضم السيد كبرئيل موشي مسؤول المنظمة والسيد بشير سعدي نائب المسؤول، والسيد ريمون يوخنا عضو الأمانة العامة، مكتب المجلس الوطني الكردي في دمشق، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق المشترك. وكان في استقبال الوفد الأستاذ نعمت داوود، عضو هيئة رئاسة المجلس، والأستاذ لقمان أوسو، رئيس محلية دمشق، حيث بحث الجانبان لقاء رئاسة المجلس مع…

شارك وفدٌ من ممثلية أوروباللمجلس الوطني الكردي في سوريا في إحياء الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد المناضل نصرالدين برهك عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وضمّ الوفد كلاً من السيد عبد الكريم حاجي رئيس ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا، إلى جانب وفدٍ من مكتب العلاقات شمل كلاً من كاميران خلف برو مسؤول مكتب العلاقات، وجنكيدار محمد، وباران درباس….

عبدو خليل Abdo Khalil أواخر صيف عام 2012 كنت قد لجأت للقرية هربا من مخاطر الاعتقال.. كانت المنطقة سلمت بالكامل من قبل النظام السوري للعمال الكردستاني ولم يتبقى سوى بعض عناصر الأمن المكلفين بالمراقبة عن بعد.. جاء يوم َرفع فيه فتية وفتيات قريتنا نازواوشاغي علم الثورة فوق مسجد القرية.. سرعان ما أصاب الذعر زعران قنديل.. نزلوا العلم وتوعدوا أهل القرية…..

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…