منطق القوة لا يرحم الكورد بين عجز المجلس الوطني وهيمنة الإدارة الذاتية 2/3

د. محمود عباس

وهذه الجدلية تنطبق بدقة على طرفي الاستقطاب الكوردي في غربي كوردستان، وبالأخص على المجلس الوطني الكوردي، الذي ظلّ محدود الإمكانات سياسيًا وإداريًا، رغم ما تلقاه من دعم من جنوب كوردستان، فلم يتمكن حتى اليوم من بناء مؤسسات أو تشكيلات تنظيمية داخلية قادرة على تجاوز الخلافات الحزبية، والنشاط على مستوى هيئات بإمكانها إدارة منطقة ما، ولو امتلك القوة الذاتية المطلوبة، أو استطاع أن يطور نشاطاته ويخرج من الإطار الحزبي الضيق إلى فضاء وطني أوسع، لكان من الممكن أن يتولى ملف عفرين أو سري كانيه، لكن الواقع أثبت هشاشته داخليًا وخارجيًا.

ومع ذلك، لا يمكن إعفاء قوى الإدارة الذاتية من مسؤولية تعاملها العدائي مع المجلس، غير أنّ هذا السلوك، وإن بدا فاقعًا، يجد تفسيره في ذات الجدلية التي تحكم معادلة القوة والضعف؛ فمن يمتلك القوة نادرًا ما يمنح شريكًا ضعيفًا مساحة حقيقية في القرار، هذا النمط ليس جديدًا في تاريخ الحركة الكوردية، بل يتكرر مع كل محطة مصيرية، فقد مارس الحزب الحاكم في الإدارة (الـ ب ي د) الأسلوب ذاته في علاقته مع المجلس الوطني الكوردستاني، الذي كان مركزه في واشنطن منذ مؤتمره التأسيسي عام 2006 وما تلاه، يومها، لم يتردد الـ ب ي د في اللجوء إلى أساليب لم تكن أقل قسوة من بقية الأحزاب الكوردية، وخاصة البارتي الديمقراطي الكوردي قبل أن يتحول إلى الكوردستاني، الذي خاض بدوره صراعًا شرسًا ضد المجلس الكوردستاني بكل الوسائل الممكنة، بعضها لغايات شخصية، وأخرى بإملاءات خارجية، وصولًا إلى الدفع نحو تشكيل المجلس الوطني الكوردي عام 2012 كمنافس مباشر له.

هكذا جرى تجاهل حساسية المرحلة التاريخية الممتدة من عام 2006، سنة تأسيس المجلس الكوردستاني، إلى عام 2012 سنة تأسيس المجلس الوطني الكوردي، ثم إلى عام 2018 حين طالبت حكومة الإقليم المجلس الكوردستاني بحل نفسه، والسبب لم يكن مجرد خلاف حزبي داخلي، بل لأن القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لم تكن تتعامل في تلك الفترة إلا مع المجلس الوطني الكوردستاني (مقره واشنطن) باعتباره المرجعية الأبرز من بين جميع القوى الكوردية في غربي كوردستان، وقد أدى ذلك إلى اتخاذ قرار داخلي صارم بعدم نشر نشاطاته في الإعلام، تقديرا لطلب حكومة الإقليم الفيدرالي الكوردستاني، وهو ما أدى إلى تقليص حضور المجلس الوطني الكوردستاني وقطع شرايين التواصل بينه وبين الشارع الكوردي.

ولنكن واقعيين، لو كان المجلس الوطني الكوردي يملك زمام السلطة في غربي كوردستان، لما توانى هو الآخر عن تهميش خصومه بالطريقة ذاتها، فهذه القاعدة المريرة لا تعرف استثناء، جدلية القوة والضعف تفرض ذاتها في كل مرة، على خلفيات حزبية وسياسية وفكرية، بل وحتى إيديولوجية، لتعيد إنتاج دوامة الإقصاء بدلًا من ترسيخ منطق الشراكة.

الحراك الكوردي، وخاصة طرفي الاستقطاب، لم يكن استثناءً من هذا المسار، بل سار على خطى القوى السياسية الإقليمية والعالمية التي جعلت من القوة معيار الشرعية الوحيد، وهكذا طُويت صفحة كان يمكن أن تكون منارات مضيئة في تاريخ الحركة الكوردية، لتحل مكانها صفحة سوداء تفضح عبث الصراعات الداخلية، وتكشف كيف أُهدرت الفرص التي كان يمكن أن تغيّر مسار القضية، لقد كان الإصرار على الانقسام والتناحر الداخلي، والارتهان لمنطق القوة والضعف، العامل الأبرز الذي دفع بالقضية الكوردية إلى هوامش الاهتمام الدولي، وأجّل الاعتراف بها إلى مراحل متأخرة، بينما كانت شعوب أخرى أقل عددًا وأضعف إمكانًا تحجز لنفسها مقعدًا على طاولة التاريخ.

لذلك فإن مؤتمر قامشلو وما تمخّض عنه من تشكيل الهيئة الكوردية، يُعدّ طفرة سياسية في مسار الحركة الكوردية، ومحاولة جريئة لتجاوز جدلية القوة والضعف التي كبّلتنا لعقود. غير أنّ السؤال الأهم الذي يفرض نفسه الآن: هل ستنجح هذه الطفرة في ترسيخ منطق الشراكة وتجاوز الانقسامات، أم ستعود القوى مجددًا إلى دوامة الصراع القديمة؟ … وهنا يبدأ الحديث عن الحلقة الأخطر التي لا تزال تنتظرنا.

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

31/8/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زبير عبدالله
زبير عبدالله
6 شهور

اي صراع جانبي ينصب في مصلحة اردوغان،والحل الوحيد الوقوف خلف الإدارة الذاتية ممثلة بشخصية الجنرال مظلوم…واي ربط بينه وبين pkk،تخدم مصلحة الطورانية التركية…الوقت ليس للتحاليل والاستنتاجات،وهم يريدون هذا الالهاء …حكومة غير شرعية واردوغان فاشي.

اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…