رداً على التصريح المتناقض للسيد صالح مسلم

دلدار بدرخان 
ظن الكثيرون أن دموع السيد صالح مسلم في كونفرانس وحدة الموقف والكلمة الكُردية، على أنغام النشيد القومي الكُردي، وهو يرتدي لباس فلكلوري كُردي كانت نتيجة لانبعاث الحس القومي الراقد في أعماقه، فتأثر البعض بدموعه، ولكن ما تبين لاحقاً في تصريحاته المتناقضة هو أن تلك الدموع ربما كانت لدلالات أخرى لا نريد الخوض فيها الآن.
ما أريد أن أؤكد عليه في الموضوع الذي سأتطرق إليه، هو أننا لسنا ضد المفاهيم التي يتبناها السيد صالح مسلم ورفاقه حول “الأمة الديمقراطية” كفلسفة أممية، ولكن المشكلة لا تكمن في جمالية النظرية بقدر ما تكمن في إمكانية تطبيقها، فكيف يمكن الصعود إلى القمر دون امتلاك أبسط مقومات الإقلاع؟
والفلسفات الكبرى مهما بلغت مثاليتها لا تجد طريقها إلى الواقع إلا عبر مراحل تأسيسية تُراكم الشروط الموضوعية وتُهذِّب الذهنيات السائدة، بينما مجتمعاتنا ما زالت غارقة في تركة التاريخ وأوهامها، وبعضها يعيش في أسر القرون الوسطى والجاهلية وعقلياتها، وبعضها الآخر يقتات على أمجاد الماضي دون أن يواجه تحديات الحاضر.
ويتجلى هذه الإشكالية في الذهنيات الغضّة التي نواجهها، فبمجرد أي دعوة إلى نظام حكم لامركزي، بما تحمله من أفق ديمقراطي متطور خارج عن السياقات الكلاسيكية، تُواجه فوراً بالاتهام بأنها مشروع تقسيم وانفصال، وهذا يعكس بنية ذهنية متوجسة و خاوية، وعاجزة عن استيعاب أن التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة لا تهديد.
والفلسفة الأممية كما في مشروع الأمة الديمقراطية، تحتاج إلى أرضية معرفية واعية واجتماعية تُبنى عليها، وأرضية تقوم على الاعتراف بالآخر المختلف واحترام الخصوصيات القومية والثقافية، قبل القفز إلى مرحلة الأممية، فكيف يمكن الحديث عن تجاوز القوميات نحو إنسانية أوسع بينما لم يتم بعد إنصاف القوميات المضطهدة أو الاعتراف بوجودها دستورياً وقانونياً؟
فالمدخل الواقعي لأي مشروع ديمقراطي أممي في سوريا يبدأ من حل القضية الكُردية، والاعتراف بالمظلومية التاريخية التي تعرض لها الكُرد، وهذا الحل لا يمكن أن يختزل في شعارات نظرية أو في خطاب عاطفي، وإنما يتطلب اعترافاً قومياً وسياسياً وثقافياً بالكُرد، وإدراجه في صلب الدستور السوري كحق أصيل، وعندها فقط يمكن للأمة الديمقراطية أن تجد لنفسها أرضاً صلبة، فتتحول من تنظير طوباوي هش إلى ممارسة سياسية اجتماعية قابلة للحياة.
ولعل تجربة إقليم كُردستان خير دليل على أن الاعتراف بالهوية القومية وتكريس الحقوق في مؤسسات دستورية هو الذي يفتح الطريق أمام أشكال أكثر تطوراً من الحكم التشاركي والفكر المنفتح، وإن إنكار الشعب الكُردي أو محاولة القفز على قضيته بحجة بناء أممية ديمقراطية ليس سوى إعادة إنتاج لمنطق الإقصاء نفسه الذي عانى منه الكُرد على مدى قرن من الزمن.
فالفلسفة حين تنفصل عن الواقع الملموس، تتحول إلى خطاب مثالي جميل لكنه عاجز، ولذلك فإن بناء الأمة الديمقراطية في منطقتنا لا بد أن يبدأ من الاعتراف بالجزئي قبل الكلي، وبالقومي قبل الأممي، ومن حل المظلومية الكُردية قبل الدعوة إلى تخطي القوميات جميعاً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…