ديمقراطيات بائسة

كفاح محمود

بعد تجارب مريرة عاشتها شعوبنا في استنساخ الديمقراطية الغربية على النمط الأمريكي والبريطاني، بات واضحًا أن تلك النماذج لم تنجح في بيئتنا الاجتماعية والسياسية، فهي أنظمة نشأت في سياقات تاريخية وثقافية مختلفة، بينما واقعنا ما يزال محكومًا ببنية قبلية، وموروثات دينية، وأعراف اجتماعية تفرض منطقها على السلوك السياسي اليومي، والنتيجة أن الديمقراطية عندنا تحولت إلى صراع غوغائي، تُدار فيه السلطة على يد جهلة ونكرات، وجدوا في صناديق الاقتراع وسيلةً للهيمنة على القرار والحكم.

   إن الحاجة اليوم ملحّة للبحث عن نموذج حكم يتناسب مع سايكولوجية مجتمعاتنا وتركيبتها، فبدل الانبهار الأعمى بديمقراطيات لا تصلح لواقعنا، علينا أن نفكر بنموذج يستند إلى عقلائنا وحكمائنا، حيث يكون مجلس الشورى هو الإطار الجامع الذي يمثل القوى الاجتماعية والمرجعيات الفكرية والرموز الوطنية. هذا المجلس لا يقوم على المحاصصة أو الغلبة العددية، بل على الكفاءة والخبرة والحكمة، ليكون بمثابة العقل الجماعي الذي يوجّه الدولة ويوازن بين المكونات.

   غير أن هذا الخيار لا يُقصد به أن يكون نظامًا دائمًا، بل صيغة انتقالية تمتد لعقد من الزمن على الأقل، ففي هذه المرحلة، يُمنح الحكماء والنخب فرصة لإحداث تغيير جذري في مناهج التربية والتعليم، وإعادة صياغة وعي الأجيال القادمة على أسس أكثر عقلانية وانفتاحًا، بعيدًا عن العصبية القبلية والمناطقية والطائفية.

   إنها فترة ضرورية لتحجيم نفوذ العقليات التقليدية التي ما تزال تحكم السلوك السياسي والاجتماعي، ولبناء مفهوم جامع للمواطنة الحقة التي تضع الولاء للوطن فوق كل اعتبار.

   وفي قلب هذا النموذج يقف رئيس حكيم، واسع الصلاحيات، لكنه ملتزم بالقيم العليا للأمة، بعيدًا عن منطق الزعامة الفردية المستبدة أو الفوضى الانتخابية.، رئيس يمتلك الشرعية المستمدة من ثقة مجلس الشورى ومن الإجماع الشعبي، لا من صفقات انتخابية فاسدة أو تزوير صناديق، هكذا يتحقق التوازن بين القيادة الفردية القادرة على الحسم، والرقابة الجماعية التي تمثل ضمير الأمة، في انسجام مع أعرافنا الاجتماعية والدينية.

   إن هذه المرحلة الانتقالية ليست رفضًا للديمقراطية أو إنكارًا لها، بل تمهيدًا لتطبيقها بشكل سليم، فالديمقراطية لا يمكن أن تُبنى فوق رمال رخوة أو مجتمعات لم تتحرر بعد من أثقال القبلية والجهوية، إنها ثمرة تحتاج تربة صالحة، والتربة عندنا لا بد أن تُهيأ عبر إصلاح التعليم، وترسيخ المواطنة، وإعلاء شأن القانون، وإشاعة ثقافة المشاركة بدل الإقصاء، بعد عقد أو أكثر من هذه الصياغة الجديدة، سيكون المجتمع قد بلغ درجة من النضج تسمح له بالدخول إلى حقبة ديمقراطية حقيقية، تقوم على التنافس الشريف لا على الفوضى، وعلى الحقوق والواجبات لا على المصالح الضيقة.

   هذا الطرح، إذن، ليس قطيعة مع العالم ولا عودة إلى الوراء، بل محاولة واعية لصياغة عقد اجتماعي جديد، يمنح مجتمعاتنا فرصة للانتقال من الفوضى إلى الاستقرار، ومن الاستنساخ إلى الابتكار. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم الناجحة هي التي بنت أنظمتها السياسية على أسس واقعية متجذرة في ثقافتها وظروفها، لا على تقليد أعمى لتجارب الآخرين.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود ما كتبتُه في مقالي عن مئوية قامشلو/ قامشلي، قبل أيام ، بعنوان ” ولوعن القليل من الوفاء المشترك لمدينة قامشلو/ قامشلي” كما وصلني من تعليقات ومن تقدير، متوقعٌ، لأن الأسماء التي عرَّفت بنفسها كما هي، أفصحت عن شفافية علاقة وفي دائرة نسَب مكانية تضعنا جميعاً، في محمية جغرافية واحدة، إن أردنا أو نشدنا الدقة، وتتحدانا مستجداتها جميعاً، ولعلها…

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…