لو أصاب القناص ترامب هل كانت أمريكا ستغزو العالم بالذكاء والتعريفة أم بالصواريخ؟ – الحلقة التاسعة

د. محمود عباس

في عالمٍ تتضاءل فيه مساحة القرار الإنساني لحساب البرمجيات، ويُعاد تشكيل وعي الإنسان عبر إشعارات من تطبيقات لم يصنعها، تبرز واحدة من أقدم وأخطر الأسئلة الفلسفية، هل لا تزال لدينا إرادة حرّة؟ كانت الإرادة الحرة دائمًا حجر الأساس في فكرة الإنسان ككائن أخلاقي مسؤول وفاعل، وباسمها قامت الثورات، وبهدمها بُني الطغيان، لكننا اليوم لا نواجه مستبدًا علنيًا يُملي علينا رغباته، بل نظامًا ناعمًا يزرع الرغبات في داخلنا دون أن نشعر، لم نعد نُجبر على شيء، بل يُعاد تشكيل ما نرغب فيه، ومن نرغب، ومتى نرغب، الحرية لم تعد خيارًا بين الأبيض والأسود، بل شبكة من “المقترحات” الذكية التي تُقدَّم لنا كما لو كانت نابعة من داخلنا، فهل نشاهد ما نريد حقًا؟ أم ما قررته الخوارزمية؟ هل نشتري ما نحتاج فعلًا؟ أم ما فُرض علينا عبر بياناتٍ قُرئت في أعماقنا أعمق مما نقرأ نحن أنفسنا؟

وفي ذروة هذا الانزياح بين الوهم والاختيار، ظهر دونالد ترامب كأنه تجسيدٌ درامي لهذا السؤال، بدا، في لحظة انتخابه، كأنه البرهان على أن الإرادة الحرة للشعب الأمريكي قادرة على كسر سطوة المؤسسة، لكنه في الحقيقة لم يكن سوى انعكاس لأعقد لعبة قوى نسجتها الدولة العميقة العصرية، حيث تلاقت مصالح الشركات الخوارزمية والبنوك العملاقة واللوبيات السياسية، فجعلت منه الأداة الصاخبة لتجديد هيمنتها، رفع شعار “أمريكا أولًا” ليبدو متمرّدًا على النظام، بينما كان في العمق مجرد وظيفة داخل آلياته، لقد تحوّل ترامب نفسه إلى اختبار فلسفي، هل كان ثمرة إرادة شعبية حرة؟ أم صناعة مدروسة لإيهام العالم بأن الديمقراطية ما زالت حية؟

وهنا يطل السؤال الصادم الذي لا يفارقنا، لو أصاب القنّاص ترامب فعلًا، هل كانت أمريكا ستغزو العالم بالصواريخ كما فعلت إمبراطوريات الأمس، أم أنها كانت ستواصل غزوها الناعم بالذكاء الخوارزمي والتعريفة الاقتصادية، لتبني إمبراطوريتها دون أن تطلق رصاصة واحدة؟

تُروى حكاية أن الشاعر الروسي بوريس باسترناك، حين مُنع من نشر دكتور زيفاكو، رفض أن يغادر الاتحاد السوفييتي رغم شهرته العالمية، لأنه لم يكن يريد أن يُساق إلى خيار محدَّد مسبقًا، قال: ” الحرية ليست أن تختار الطريق، بل ألا يُحدَّد لك الطريق أصلًا”.

وهذا ما بدا يفرض نفسه على واقعنا الراهن، خياراتٌ كثيرة ظاهريًا، لكنها محكومة مسبقًا بمسارات وضعتها قوى تعرف كيف تُوجّه وعينا الجمعي، هنا لم يعد الخطر مجرد قمع سياسي مباشر، بل انتقال مركز السيطرة من الدولة التقليدية إلى منظومات عابرة للحدود، الشركات الخوارزمية في وادي السيليكون، والمنصات الرقمية التي خرجت من حدود الصين لتتجاوزها إلى العالم، باتت تُعيد تشكيل السلوك السياسي والاجتماعي بآليات أدق من أدوات الأنظمة الاستبدادية القديمة.

إنها سلطة لا تُشهر سلاحها علنًا، ولا تفرض إرادتها بالقوة العسكرية، بل تستثمر في علم النفس السلوكي، وفي هندسة الرغبات، لتجعل القرارات التي نعتقد أنها “حرة” متوقعة ومبرمجة، وهنا يظهر البُعد السياسي العميق، لم تعد الإمبراطوريات تُدار فقط بالدبابات أو بالعقوبات، بل بالقدرة على احتكار البيانات وصياغة الإدراك الجمعي، من يملك هذه الشبكات لا يحتاج إلى إخضاع الشعوب بالقهر، بل يكفي أن يضعهم في مسارات محسوبة، تجعلهم ينفذون ما يخدم مصالحه وكأنه خيارهم الطبيعي.

وإذا كانت الفلسفة قد مجّدت الإرادة بوصفها مركز الذات، فإننا في زمن ترامب اكتشفنا هشاشتها أمام شبكة المصالح والخوارزميات التي تعيد تشكيل خياراتنا، فترامب لم يأتِ بوصفه الإرادة الحرة للشعب الأمريكي وحدها، بل جاء كنتاج معقّد للعبة المال والإعلام والشركات الخوارزمية التي حوّلت الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي، بدا، في لحظة معينة، وكأنه تمرّد على الدولة العميقة العصرية، بشعاراته الصاخبة عن كسر النخبة و”أمريكا أولًا”، لكنه كان في العمق أحد أبرز منتجاتها، صعد بفضل أدواتها، واستند إلى نفس الأنظمة التي ادّعى مواجهتها.

قال ألبير كامو: “الحرية ليست شيئًا نُمنح، بل شيئًا ننتزعه ” لكن كيف تُنتزع الحرية من نظام لا يسجنك مباشرة، بل يغريك؟ نظام يمنحك كل شيء مقابل كل شيء، من الراحة والسرعة إلى الأمن والهيمنة، ليحوّل ذاتك إلى مادة قابلة للتسويق والاستهلاك؟ هذا هو جوهر الدولة العميقة العصرية، ليست قوة عسكرية تقمعك بمدافعها، بل خوارزميات تُعيد برمجة وعيك من الداخل، حتى تظن أن ما تختاره نابع منك، بينما هو في الحقيقة اقتراح دُسّ في عقلك بدقة.

ترامب كان المرآة التي عكست هذا التناقض، رئيسٌ ظنّ أنه كسر القيد، فإذا به يفضح حدود الحرية نفسها، طرح سؤالًا وجوديًا، لو أصابه القنّاص فعلًا، هل كانت أمريكا ستغزو العالم بالتعريفة والذكاء الاصطناعي أم بالصواريخ والجيوش؟ السؤال لم يكن افتراضيًا فحسب، بل كاشفًا لحقيقة أن الدولة الأمريكية لم تعد تتحرك بدافع “قرار سياسي حر” بل ضمن مزيج من إرادة عصرية مضبوطة بالخوارزميات، ورغبات إمبراطورية تتنقّل بين أدوات ناعمة وأخرى خشنة.

وهكذا بات التحدي الأكبر للقرن الجديد ليس فقط مواجهة الطغيان السياسي التقليدي، بل حماية ما تبقى من الإنسان فينا من برمجة ناعمة تُمارس باسم الكفاءة، الحرية لم تختفِ تمامًا، لكنها حوصرت، ما زالت تطلّ في لحظات وعي ومقاومة، حين نرفض الانقياد الأعمى، أو نتوقف لنسأل قبل أن نمرّر، أو نختار عكس ما تُمليه الخوارزميات. في تلك اللحظات يثبت أن في الإنسان شيئًا لم يُبرمج بعد.

لكن الدرس الذي كشفت عنه إدارة ترامب بوضوح هو أن هذه اللحظات لن تُحمى بالصدفة، بل تحتاج إلى مشروع إنساني جديد يعيد تعريف الحرية، لا فقط في وجه المستبدين، بل في وجه الدولة العميقة العصرية التي توحّدت فيها الشركات الخوارزمية ورأس المال والنخب السياسية. فالمسألة لم تعد بين يمين ويسار، أو بين زعيم وشعب، بل بين إنسان يُعاد تشكيله ليكون أداة، وإنسان يقاوم ليبقى ذاتًا.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

11/4/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…