مضى زمن إملاء الأوامر من النظام الإيراني لغير رجعة!

نظام مير محمدي *

عندما يستحضر المتابع دور النظام الإيراني في لبنان خلال العقود الأربعة الماضية، ويقارن تلك الزيارات المتعاقبة بزيارة علي لاريجاني الأخيرة لبيروت، سيلاحظ فرقاً كبيراً بينهما، كالفرق الذي بين الربيع والخريف، بل إن الزيارة الأخيرة تُعد فضيحة غير مسبوقة للنظام الإيراني.

لم يعد من الصعب القول بثقة إن الدور والتأثير الإقليمي الحالي للنظام قد تراجع وتقلص كثيراً مقارنة بالماضي، وإن النظام الذي راهن على هذا الدور كجبهة أمامية لمواجهة خصومه بعيداً عن شوارع طهران وأصفهان، يواجه الآن أزمة حادة. إن تراجع نفوذه ليس مجرد تكهنات، بل أصبح واقعاً ملموساً ظهر بوضوح خلال زيارة لاريجاني لكل من العراق ولبنان.

يبدو أن لاريجاني حرص على أن يبدأ زيارته بالعراق، لأنه كان يعلم أن نفوذ النظام في “السلة العراقية” أكبر بكثير من “السلة اللبنانية” بعد تراجع حليفهم العسكري في لبنان، حزب الله. ولعل إبرام الاتفاقية الأمنية مع العراق كان بمثابة استعراض للقوة أمام الدولة اللبنانية قبل أن تطأ قدماه مطار بيروت.

 

استقبال فاتر ورفض علني

لكن ما لم يكن يتوقعه لاريجاني هو الاستقبال الفاتر والصفعة التي تلقاها من القادة اللبنانيين، فقد كانت زيارته للبنان فاشلة بشكل واضح، خصوصاً مع التصريحات اللبنانية التي أكدت رفض التدخلات الإيرانية. هذه التصريحات جاءت لتؤكد حقيقة مريرة بالنسبة للنظام: إن لبنان الذي كان بالأمس القريب خاضعاً لنفوذه، أصبح يعارضه علناً وفي وضح النهار. وقد أكد الرئيس اللبناني بصراحة: “نرفض أي تدخل في شؤوننا الداخلية من أي جهة، ونريد أن تبقى الساحة اللبنانية آمنة ومستقرة”.

أما في العراق، فقد أثير الكثير من الجدل حول الاتفاقية الأمنية التي أبرمها مع مستشار الأمن القومي العراقي، والتي تبين أنها ليست سوى مذكرة تفاهم وليست اتفاقية ملزمة، مما يتعارض تماماً مع ما صوره لاريجاني.

وبعد عودته إلى طهران، وفي محاولة منه للتخفيف من حدة الرفض الإقليمي، أطلق لاريجاني تصريحاً قال فيه: “إن السياسة الإيرانية تقوم على دعم دول المنطقة إذا طلبت المساعدة، دون التدخل في شؤونها الداخلية أو فرض الأوامر عليها”. لكن ما فاته هو أن زمن إملاء الأوامر قد ولى إلى غير رجعة، وأن التدخل في تشكيل الحكومات أو حسم مسألة اختيار الرؤساء، لم يعد أمراً يمكن تكراره.

 

الفاتورة التي يدفعها الشعب الإيراني

ما واجهه علي لاريجاني في زيارته هذه لن تنتهي عواقبه في لبنان والعراق، بل إن هذه النكسة هي جزء من تداعيات أكبر ستشمل المنطقة بأسرها، وستكون نهايتها في إيران نفسها. فكما عانى الشعب الإيراني من الكوارث التي سبّبها البرنامج النووي للنظام، فإن تدخلاته في المنطقة قد جلبت الويلات على الشعب الإيراني. هذا الشعب الذي يغلي غضباً من الأوضاع السيئة في البلاد، والتي هي نتيجة لأربعة عقود من سياسات طائشة، لا يرغب أبداً في دفع فاتورة مغامرات النظام الإقليمية.

إن الشعب الإيراني يدرك جيداً أن عدم سعيه لإسقاط هذا النظام اليوم قبل غد، سيجعل الحصاد المر في انتظاره دائماً.

*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مقدمة يشكّل القائد الكوردي مصطفى البارزاني أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخي الشرق الأوسط المعاصر. فقد ارتبط اسمه بالحركة التحررية الكوردية طوال ما يقارب نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، وكان أحد القادة الذين أسهموا في تحويل القضية الكوردية من انتفاضات قبلية متفرقة إلى حركة قومية منظمة ذات مشروع سياسي واضح. وتكمن أهمية دراسة فكر البارزاني في…

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…