الجولاني بين وهم الأبدية وحتمية السقوط

د. محمود عباس

منذ اللحظة التي صافحه فيها دونالد ترامب، بدأ العدّ التنازلي للجولاني – أحمد الشرع، وقادة هيئة تحرير الشام، بل وحكومته، تلك المصافحة لم تكن مجرد بروتوكول سياسي عابر، بل كانت إعلانًا خفيًا بأن الرجل الذي صنع لنفسه صورة “الأمير الإسلامي” تحول إلى مشروع دولي محدود الصلاحية، يُستخدم حينًا ويُحرق حين تحين ساعته، منذ تلك اللحظة، لم يعد الجولاني زعيمًا مطلقًا كما أراد أن يظهر، بل ورقة ضمن معادلات واشنطن وتل أبيب وأنقرة، ورقة لا وزن لها إلا بقدر ما تخدم مصالح الآخرين.

لكن سقوطه كشخص ونظام سياسي أو هيمنة إيديولوجية متطرفة لا يُقرأ فقط من زاوية السياسة الدولية، بل من داخله ومن أفعاله، أي أفعال منظمته الإرهابية المتطرفة، فالرجل الذي حاول أن يرتدي ثوب “الحاكم المعتدل” سرعان ما انكشف بخطاب الكراهية وممارسات حكومته، الجرائم التي ارتكبتها مجموعاته في الساحل السوري ضد العلويين لم تكن سوى بداية؛ تلتها استهدافات أفظع ضد المسيحيين، أبرزها تفجير كنيسة مار ألياس في دمشق، ثم جرائم جرمانا، وصولًا إلى المجازر بحق الموحدين الدروز الذين عُرفوا بوطنيتهم وصلابتهم، هذه الأفعال لم تشوّه صورته أمام المجتمع الدولي فحسب، بل نزعت عنه أي شرعية كان يحاول أن يتدثر بها أمام السوريين أنفسهم.

ومع ذلك، فإن الكارثة لم تكن محلية الطابع وحدها، فالمسار الأخطر الذي يفضح حقيقة مشروع الجولاني هو مسار التطبيع مع إسرائيل، إلى حدّ الحديث عن تبادل السفراء، لم يكن ذلك من فراغ، فإسرائيل لم تكتفِ بمراقبة المشهد، بل شاركت في صياغته، مدفوعة بهاجس إعادة رسم الخرائط، وبالتنسيق المباشر مع تركيا التي سلحته وزودته بالعتاد وفتحت له أبواب المشهد الإقليمي، بدا وكأن الرجل الذي قدّم نفسه عدوًا للغرب، يجد نفسه اليوم أداة طيّعة بيد القوى نفسها التي ادّعى مقاتلتها، وهنا تكمن المفارقة: فالتطرف السني الذي يتبناه لا يقل خطرًا على مصالح أمريكا وإسرائيل عن التطرف الشيعي الإيراني، ما يجعل من الجولاني مجرّد ورقة مؤقتة قابلة للإلقاء في أي وقت.

التاريخ يُعيد نفسه، والأنماط تتشابه رغم اختلاف الأسماء، طالبان التي قيل إنها كسبت الحرب بدأت تتآكل من الداخل الأفغاني، وتواجه اليوم انحدارًا لا مفر منه، لأن الحروب تغذي التطرف، بينما السلام الطويل يخمده ويعرّيه، والمثال الأوضح نجده في أمريكا اللاتينية، بابلو أسكوبار، زعيم المافيا الكولومبية، الذي حاول أن يلبس ثوب السياسي ودخل البرلمان مرشحًا للرئاسة، ليُكشف لاحقًا أنه ليس سوى رأس أكبر كارتيل للمخدرات في العالم، حينها استخدمت واشنطن أسلوبًا مشابهًا، تركته يلمع قليلًا، ثم دفعت من داخل البرلمان بشخصيات تكشف فساده، فسقطت هالته أمام عيون الناس، ولم ينفعه العنف ولا المال في إنقاذ صورته.

وهذا ما ينتظره، فكلما اتسعت صورته الإعلامية، تكشفت جرائمه أكثر، وكلما حاول أن يقدّم نفسه رجل دولة، بدا أكثر التصاقًا بماضيه الدموي، مقاتل إلى جانب الزرقاوي ثم البغدادي، غارق في دماء الجنود الأمريكيين والعراقيين والسوريين معًا، وربما عن قريب سيتكشف للعالم بشكل واضح، ومن على منصة الأمم المتحدة نفسها، ما حاول الجولاني طمسه خلف أقنعته، وفي النهاية، لن يُنظر إليه لا كزعيم سياسي ولا كخليفة، بل كقاتل ملطخ اليدين، لا تقل جرائمه عن جرائم الأسد وصدام.

لهذا السبب، فإن أي مواجهة مباشرة ضده من قبل أمريكا أو إسرائيل ستكون خاسرة في نظر الشعوب السنية، حتى لو ربحتها الحكومات، فالرهان اليوم على تآكله من الداخل، وعلى جعله ينزف شرعية خطوة بخطوة حتى يسقط وحده، تمامًا كما سقط غيره من زعماء الإرهاب، ولربما هذه هي السياسة التي يراهن عليها المبعوث الأمريكي توماس باراك، تفكيك هالته ببطء، وإسقاطه بيد السوريين أنفسهم، حتى لا يقال إن الخارج هو من أطاح به.

مرحلة سقوط الجولاني وحكومته قد لا تطول أكثر من عام أو يزيد قليلًا، فالمؤشرات تتزايد، انكماش شعبيته، تصاعد خطاب الكراهية، ازدياد الجرائم ضد المكونات الأخرى من الشعب السوري، وصاحب القوة الحقيقية، كما يعلمنا التاريخ، لا يلوذ بالضجيج والتهديدات الكارثية، بل بالصبر والحكمة، أما الضعيف، فهو من يفتعل المعارك الوهمية ليغطي على خوفه، والجولاني اليوم يستقوي بميليشيات منفلتة ترتكب الفظائع ثم يعلن التبرؤ منها، في مشهد بائس يعيد للأذهان نهايات الطغاة الذين توهموا الخلود.

فالتاريخ يملك ذاكرة أطول من أعمارهم، والزمن أثبت مرارًا أن السلطة المبنية على الدم لا تدوم، الجولاني ومنظمته الإرهابية، مثل غيره من المستبدين، قد يظن أن قوته تمنحه الخلود، لكن كل استبداد، إن كان رجلا أو منظمة سياسية أو إيديولوجية، يحمل بذرة فنائه في داخله، فالدماء التي سفكها ليست جسرًا إلى مستقبل، بل لعنة تتعقبه وقادة حكومته، والرهان على الخوف والكراهية لا يُنجب دولة، بل يولّد سقوطًا أسرع وأشد هولًا، وهكذا، فإن نهاية الجولاني والتكفيريين الذين حوله، ليست مجرد توقع سياسي، بل حتمية تاريخية، يفرضها منطق الحياة الذي لا يبقي مكانًا للأبديين المزيّفين.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

23/8/2025م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في شتاء عام ١٩٦٨ وبعد حضوري مؤتمر جمعية الطلبة الاكراد في أوروبا المنعقد في العاصمة اليوغسلافية ( سابقا ) بلغراد ممثلا ( للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري – سابقا ) ، وعودتي عن طريق البر ( كمرحلة أولى ) بصحبة السكرتير الأسبق للحزب الديموقراطي الكردستاني الأستاذ – حبيب محمد كريم – الذي مثل حزبه بالمؤتمر والصديق الأستاذ – دارا…

كفاح محمود في منطقتنا مفارقة تُشبه الكوميديا السوداء: أنظمةٌ تُظهر براعةً مذهلة في فتح القنوات مع خصومها الخارجيين، وتُتقن لغة الصفقات حين يتعلق الأمر بالخارج… لكنها تتلعثم وتتصلّب وتُفرط في التعقيد عندما يصل الحديث إلى شعوبها ومكوّناتها، كأن المصالحة مع الآخر البعيد أسهل من التفاهم مع الشريك القريب، وكأن الدولة لا تُدار كمظلّة مواطنة، بل كحلبة لإدارة التناقضات وتأجيل الحلول….

شادي حاجي يُفترض أن يقوم النظام الدولي المعاصر على أسس قانونية وأخلاقية واضحة، أبرزها احترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، كما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان. غير أن الواقع العملي للعلاقات الدولية يكشف عن تناقض بنيوي بين هذه المبادئ المعلنة وبين آليات التطبيق الفعلي، حيث تتحكم اعتبارات القوة والمصلحة الجيوسياسية في صياغة المواقف الدولية. وتُعد القضية…

انا المواطن محمد امين شيخ عبدي المعروف بـ(( شيخ امين ))، والمقيم في دمشق، خريج سجون حافظ الاسد (( 100 شهر عرفي آب 1973 – تشرين الثاني 1981 ))، عضو المكتب السياسي للبارتي حتى آب 2011، وعضو هيئة رئاسة اعلان دمشق منذ عام 2007. اتقدم بطلبي ودعوتي هذه الى سيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع: اولا:اطالب باقالة كل من السادة: اللواء…