الخرائط الجديدة… بين إرث سايكس – بيكو وتحوّلات الجيوبوليتيك الراهنة

ماهين شيخاني

منذ أكثر من قرن، ومنذ أن رسمت أقلام الدبلوماسيين حدود الشرق الأوسط في اتفاقية سايكس – بيكو 1916، وُضع الكورد في قلب لعبة جغرافية – سياسية معقّدة. تلك الأقلام لم تكتفِ بتقسيم المنطقة بين النفوذين الفرنسي والبريطاني، بل شرعنت واقعاً جديداً أبقى كوردستان مجزّأة بين دول حديثة التكوين. ومنذ ذلك الوقت، تحوّل المورد الجغرافي والطاقوي الكوردي إلى نقمة على شعبٍ لم يُمنح فرصة بناء دولته، بل أصبح موقعه الجيوستراتيجي (بين تركيا وإيران والعراق وسوريا) سبباً لصراع دائم على هويته وحقوقه.

 

  1. 1. من “الربيع العربي” إلى إعادة رسم الخرائط

مع اندلاع الثورات العربية عام 2011، برز خطاب “الشرق الأوسط الجديد”. لم يعد الأمر محصوراً بنظرية المؤامرة، بل صار واقعاً في تقارير مراكز الأبحاث والخرائط المسربة.

لكن ما كان ثابتاً وسط هذا الحراك هو أن القضية الكردية بقيت الاستثناء المرفوض:

المعارضة السورية والعراقية قبلت بإدارات محلية في مدن عربية، لكنها رفضت بشراسة أي إدارة ذاتية كوردية.

القوى الإقليمية (تركيا، إيران، النظام السوري) اختلفت في كل شيء تقريباً، لكنها التقت عند نقطة واحدة: منع أي مكسب كوردي يتجاوز الحقوق الثقافية الشكلية.

وهذا يثبت أن “سايكس – بيكو” لم ينتهِ، بل يُعاد إنتاجه بصيغ جديدة، حيث يبقى الكورد الحلقة الأضعف في معادلة المصالح الكبرى.

 

  1. 2. تركيا والعودة إلى منطق الإنكار

ظهرت تركيا في مطلع الألفية بوجهٍ ديمقراطي نسبي، وتحدثت عن “حل المسألة الكوردية”. لكن سرعان ما عاد النظام التركي إلى عقيدته الأمنية القديمة:

اجتياحات عسكرية لمناطق كوردية في سوريا (عفرين، سري كانييه- رأس العين، كري سبي-  تل أبيض).

ممارسات تهجير وتغيير ديمغرافي أعادت ذاكرة الثمانينات والتسعينات.

خطاب رسمي يصور أي كيان كوردي، ولو إدارياً محدوداً، على أنه تهديد وجودي.

وبذلك، جرى تحويل القضية الكوردية مجدداً إلى ورقة تفاوض إقليمية – دولية، لا إلى مسألة حقوق مواطنين أصليين.

 

  1. 3. المعارضة العربية: ازدواجية المعايير

من المفارقات الكبرى أن القوى التي رفعت شعار “الحرية والكرامة” في سوريا والعراق، وقفت ضد نفس الشعار حين رفعه الكورد.

فهي تطالب بالديمقراطية، لكنها ترفض الفيدرالية أو اللامركزية عندما تتعلق بحقوق غير العرب.

وهي تقبل بالوصاية التركية وتدخلاتها، لكنها تعتبر أي مشروع كوردي “خيانة وتقسيم”.

هذه الازدواجية لا تعبّر عن موقف سياسي وحسب، بل عن عمق الشوفينية البنيوية داخل جزء من النخب العربية، حيث يُختزل الوطن في العِرق، وتُقصى التعددية لصالح وهم “الأمة الواحدة”.

 

  1. 4. التوازنات الدولية: من ترامب إلى ما بعد أوكرانيا

عام 2016، مع وصول ترامب إلى الحكم، بدا واضحًا أن أمريكا لا تتعامل مع الكورد إلا من زاوية مصالحها:

دعمتهم عسكريًا ضد “داعش”.

لكنها تخلت عنهم سياسياً أمام اجتياح تركيا لعفرين وسري كانييه – رأس العين.

 

هذا النمط لم يتغير حتى مع الإدارات اللاحقة، إذ ظلت القضية الكوردية أداة وظيفية في الاستراتيجية الأمريكية: الضغط على تركيا، موازنة النفوذ الإيراني، أو إدارة الصراع السوري من دون حل جذري.

اليوم، ومع حرب أوكرانيا والتحولات في النظام الدولي، باتت الطاقة وخطوط الأنابيب مركز الصراع. ومرة أخرى، نجد أن موقع كوردستان – الممتد بين منابع النفط والغاز ومسارات نقله – يعيد الكورد إلى قلب معادلة جيوبوليتيكية تتجاوز قدرتهم الذاتية.

 

  1. 5. ما الذي تغيّر بين 2016 و2025..؟.

لم يتغير الكثير في جوهر الموقف الدولي: ما تزال الدول الكبرى تتعامل مع الكورد كأداة، لا كفاعل سياسي يستحق دولة أو كياناً معترفاً به.

ازدادت الأزمة الإقليمية تعقيداً: التوتر التركي – الإيراني – العربي، وانهيار معظم مسارات الحل السياسي في سوريا.

تعمقت عزلة الكورد: إذ لم تنجح القوى الكوردية في بناء تحالف إقليمي أو دولي ثابت، وظلّت الانقسامات الداخلية عامل ضعف مزمن.

 

  1. 6. بين القدرية والسياسة الممكنة

ختمنا المقالة عام 2016 بالقول: “ليس للشرق الأوسط من سياسة سوى الترقب لما يتفق عليه الدول العظمى”.

لكن بعد عقد من الزمن، يمكن القول إن الترقب وحده لا يكفي. فالتاريخ أثبت أن الكورد حين يملكون إرادة سياسية موحدة وقدرة على إدارة مناطقهم بفاعلية، يستطيعون أن يفرضوا أنفسهم في المعادلة، حتى لو لم يحصلوا على الاعتراف الكامل.

بمعنى آخر:

لا يمكن للكورد أن يكسروا “فيتو” الجغرافيا والسياسة الدولية بمفردهم، لكن يمكنهم تقليل كلفة الإنكار عبر بناء مؤسسات راسخة، وتطوير تحالفات مرنة، وتحويل واقع الأمر الواقع إلى أمر لا يمكن تجاوزه.

خاتمة

الخرائط الجديدة للشرق الأوسط ليست مجرد خطوط تُرسم في غرف مغلقة، بل هي نتاج صراع طويل بين القوى الدولية والإقليمية. وسط ذلك، يبقى الكورد الخاسر الأكبر حين يُتركون أسرى للانقسامات الداخلية أو لرهان غير مشروط على الخارج.

الرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من الانتظار السلبي لما تقرره العواصم الكبرى، إلى سياسة فاعلة تستثمر الموقع الجيوستراتيجي والثقل الديمغرافي، لصياغة مستقبلٍ يضمن بقاء الكورد كفاعل، لا كضحية دائمة للخرائط المتغيرة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…