يكون التنوع السوري مجرد زينة تجميلية لدستور يصون فردًا ولا يصون شعبًا.

 بوتان زيباري

في قلب النقاشات، كانت الأصوات تتعالى لتؤكد أن هذه الأرض، التي يسميها البعض “كوردستان سوريا” أو “غرب كردستان”، ليست ملكًا حصريًا لقومية واحدة، وإن كان للكورد فيها حق الدم والعرق والتاريخ. بل يجب أن يُبنى الإقليم المرتجى بروحٍ تعترف بجميع مكوناته من عرب وآشوريين وسريان وغيرهم، كي لا يقع البناء الجديد فريسة لمرض القوميات الذي مزق سوريا القديمة.

لقد أُكِّدَ أن المؤتمر لا يسعى إلى التقسيم، بل يطمح إلى الوحدة؛ وحدةٌ لا تسجنها صنمية ولا تقيدها قسرية، بل تقوم على أسس الاعتراف المتبادل والعيش المشترك. لكن سؤالًا مشوبًا بالغموض ظل عالقًا في الأفق، كغيمة رمادية لا تبشر بالأمل: هل سيكون هذا المؤتمر نقطة تحول حقيقية في مسار القضية الكوردية في سوريا، أم أنه مجرد فصل آخر في سجل الإخفاقات المتراكمة؟

وُصِفَ الحدث من قبل شاهد عيان بأنه أشبه بانقلاب أبيض؛ ليس بالسلاح بل بالكلمة، وليس بالرصاص بل بالبيان. وأُشير إلى أن هذه الوثيقة، التي اتفقت عليها جميع الأطراف تقريبًا، وُلدت تحت رعاية دولية واضحة: من باريس، حيث تلتقي الأناقة بالدبلوماسية، إلى واشنطن، حيث تُحاك القوى الكبرى خرائط العالم في صمت.

كان لجهود القياديين الكورد دور حاسم في تقريب المواقف، حتى بدا وكأن روح دهوك وهولير القديمة، التي أخفقت سابقًا في توحيد الصف الكوردي، قد بُعثت من جديد بروح أكثر حكمة ونضجًا.

من حيث المضمون، لم تقتصر الوثيقة على المطالب الكوردية الخاصة، بل مدت يدها إلى المسألة السورية العامة، مطالبةً بدستور ديمقراطي تعددي يعترف باللغات، بالثقافات، وبالانتماءات جميعها. لم يعد هناك مكان، في هذا الحلم الجديد، لدولة تسجن مواطنيها خلف قضبان القومية الواحدة أو المذهب الواحد.

أما ما كان لافتًا بحق، فهو أن المؤتمر لم يجنح إلى خطاب الفيدرالية أو الاستقلال كما تخوف البعض، بل اختار بعناية طريق اللامركزية الإدارية، كجسرٍ بين الوحدة والحرية، بين التعدد والانتماء. رسالة إلى أولئك الذين يهرعون إلى التهويل بأن الكورد يريدون تمزيق البلاد: بل إنهم، هنا، يحاولون ترقيع ما مزقته الحرب والطغيان.

غير أن لكل حدث وجهه الآخر. فكما أشار بعض المتابعين، لم تخلُ الساحة من الأحزاب الصغيرة الطامعة بمقاعد على موائد الكبار، ولم تغب بعض الأحاديث عن أن الحضور في بعض المناسبات كان مدفوعًا برغبةٍ في مأدبة لا في مبدأ. وكأنما التاريخ لا يملّ من عرض مسرحيته الهزلية: وجوه تتبدل، وأطماع تبقى.

وبرغم كل ذلك، فإن الوثيقة كانت واقعية إلى حد بعيد، خالية من تلك الشعارات الطوباوية التي ابتليت بها الحركات الإيديولوجية في القرن العشرين. لم تطلب المستحيل، بل اكتفت بالممكن، مؤمنةً أن السياسة فن الممكن لا مرآة للأوهام.

أما عن الأطراف المتضررة من هذا الحدث؟ فثلاثة على وجه الخصوص: أولهم، العروبيون المتطرفون الذين ما زالوا يحلمون بدولة عرقية نقيّة، تتجاهل أن سوريا وطن لكل أبنائه، لا حكراً لقبيلة أو حزب. وثانيهم، الأصوات المتشددة داخل البيت الكوردي ذاته، سواء أولئك الذين يرفضون أي تعاون، أو أولئك الذين لا يرون في الحلول الوسط إلا ضعفًا. وثالثهم، تركيا، التي راهنت على انقسام الكورد السوريين، كما راهنت في ملفات أخرى أن الخلافات ستُبقيهم أشتاتًا متنافرين.

لكن الواقع أتى بما لا تشتهي سفن أنقرة: فالمؤتمر انعقد، والوثيقة أُعلنت، والتاريخ دون سطوره الجديدة.

ختامًا، لا يسعنا إلا أن نتساءل: هل سيكون هذا المؤتمر صخرةً تتحطم عليها أمواج التشرذم السوري، أم سيغرق، كغيره، في رمال الخلافات المتحركة؟ الزمن وحده من يملك الجواب، والزمن – كما يعلم الفلاسفة – يحب المفاجآت أكثر مما يحب الخطط المحكمة.

السويد

27.04.2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…