واقع المرأة لدى PKK وأفرعه

د. عبدالحكيم بشار

كثيراً ما يتبجّح حزب العمال الكردستاني وأفرعه بحريّة المرأة وتحرُّرها، حيث تُسوّق على أنها امرأة حرة، ليبرالية، ويقوم التنظيمُ بوضع المرأة في واجهة كل أنشطته ومؤسساته المختلفة من خلال (الرئيس المشترك) الذي لا بدّ أن يكون أحدُ قطبي المنصب امرأة، مما يخلق انطباعاً أولياً لدى المتابعين والغرب بوجه عام، مدى تواجُد، وتضافر القوى الديمقراطية في مؤسساتهم، ومدى احترام هذه المنظمة وأفرعها للمرأة ومدى دعمها والدفاع عن تحرّرها، ولكن واقع الحال وعند تسليط الضوء على ظروف حياة المرأة نجد أنها محرومة من أبسط حقوقها الإنسانية.

هذه المنظومة بدعوى مشاركة المرأة للرجل في الدفاع عن الوطن أو مساواته في العمل السياسي والنضال الميداني، تُجرّد من أهم وأعظم المشاعر الإنسانية ألا وهو الحب، فالحب ممنوع على المرأة المنضوية في مؤسسات هذه المنظومة العقائدية، والعشق بمثابة المحرّمات لأن العشق يلهي المناضلة عن حب القائد والتزاماتها العقائدية، باعتبار أن العشق قد يفضي إلى الزواج، ومن ثم تشكيل الأسرة، وهو ما يصبح عائقاً بمنظورهم أمام القيام بكل أدوارها النضالية في ميادين العمل السياسي أو ساحات القتال، وهو ما يتناقض كلياً مع توجُّهات منظمات حقوق الإنسان في العالم.

الخبراء الأمميون في مجال حقوق الإنسان سبق أن أطلقوا دعوة بهذا الخصوص جاء فيها: «إن التمتع الكامل بحقوق الصحة الجنسية والإنجابية لا غنى عنه للمرأة في سبيل تمكين النساء والفتيات من ممارسة جميع حقوقهن الإنسانية الأخرى وتحقيق المساواة بين الجنسين، والقوانين والسياسات التي تحرم النساء والفتيات من حقوقهن في الصحة الجنسية والإنجابية هي قوانين تمييزية بطبيعتها».

إن الفتاة التي تنضمُّ إلى إحدى مؤسسات هذه المنظومة العقائدية قبل الزواج يجب أن تبقى عانس، ولا يُسمح لها أو لا يُعطي لها المجال للتفكير بالحب والزواج، وتشكيل الأسرة والإنجاب والأمومة، إذ أنهم بذلك يقتلون في المرأة أنوثتها، ويجرّودنها من كلّ المشاعر الإنسانية القائمة على العاطفة والحب تجاه النصف الآخر، ويحرمونها من أقدس المشاعر ألا وهي الأمومة.

عن تداعيات حرمان المرأة من الأمومة تقول الدكتورة سوسن فايد أستاذة علم النفس الاجتماعي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، «إن غريزة الأمومة تعدُّ من أقوى غرائز المرأة وأبقاها، ويعدُّ الحرمان منها بمثابة قسوة فرضها المجتمع، لاعتباره بأن المرأة العقيم أو التي لم تنجب بها شيء من النقص والفراغ الذي لا يمكن تكملته، على الرغم أن الأمومة لا تقتصر على تلك العملية البيولوجية فقط بل هي مزيج من العوامل النفسية والعاطفية».

هذه المنظومة العقائدية تدَّعي بكل مناسبة بأنها حرَّرت المرأة من سطوة الرجل، وأنها أنصفت الأنثى من خلال عملها بجانب الرجل في ميادين السياسة والسلاح، فهي تتناسى في الوقت ذاته أن قرار السماح للمرأة فقط بالعمل في مؤسسات هذه المنظومة، وحملها أعباء الكفاح المسلح مع الرجل، أدّى إلى وضع إنسانيتها وتركيبتها الفيزيولوجية جانباً، بل التخلّي عنها نهائياً إرضاءً لتوجّهات هذه المنظومة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…

حوران حم لم تعد أزمة الحركة الحزبية الكوردية في سوريا مجرد أزمة أحزاب متفرقة أو قيادات أخطأت في إدارة المرحلة، بل أصبحت أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع، وبين المواطن والقائد، وبين القضية الكوردية والتنظيمات التي رفعت رايتها لعقود. فالحركة السياسية الكوردية نشأت في ظروف قاسية، وفي ظل إنكار للوجود والحقوق القومية للكورد، ولذلك كان الانتماء الحزبي بالنسبة…