وأُسقِط تمثال المعبود الوهمي ابن المعبود الوهمي في قامشلو

 إبراهيم محمود

 

وتابعتُ هذا الصباح ” الرباح الاستثنائي ، وبعد مخاض مزمن، بعين اليقين، ويقين فرح غامر داخلي، كل ثانية رافقت حركة إسقاط تمثال المعبود الوهمي ابن المعبود الوهمي باسل حافظ الأسد في مدخل مدينة قامشلو اليوم صباحاً ” 8-12-2024 ”

إسقاط تمثال كهذا، كما شاهدت كيفية إسقاط تمثال الطاغية أخيه في دمشق وفي أكثر من مكان، وفي ساحة لها دلالتها ” ساحة الأمويين ” إزاء مكتبة لها دلالتها الاسمية ” مكتبة الأسد ” ولا أدري أي اسم ينتظرها، مثلما الحال مع آلاف مؤلفة من الأمكنة والمواقع التي جرى تحميلها باسم المتصوَّر ” خالداً إلى الأبد ” وهو حكْم الزمان النافد في أهليه دون استثناء.

تابعت كل حركة، مرفقة بذلك الهياج النفسي، المكبوت النفسي الجماعي المحيط بذلك الذي كان عنواناً لمدينة تتكلم الكردية أكثر من العربية، وتدين لها الجغرافيا نسَباً أكثر من أسلاف أحفاد عياض بن غنم وسواه، حيث تسبقه اللوحة الكبيرة التي تبرز صورة أخيه ” بشار ” مقابل مطار قامشلو، كما لو أن التحليق إلى السماء مرفق به، مثلما أن الفروسية، ودلالتها التاريخية والاعتبارية والحيازية ، قارّة في أصل هذا التمثال، وما كان لذلك الهياج بصوته الذي تعجز اللغة عن وصفه، من إشهار للحظة انعطافية في التاريخ، وفي أساس الجغرافيا، وكيفية زحزحة التمثال( باسل بانتصابه على صهوة الفرس/ الحصان ، بخيلاء الإعلام الموقَّر) وترنحه وسقوطه في الطرف المقابل لنزلة المطار، كما لو أن الذين أسقطوه أرادوا إشعار كل قادم من جهة الجنوب، في الحال، برؤية ما يجب رؤيته، وما يترتب على هذا السقوط المدوي من بعد جماهيري، حيث الشعب هو الأول والآخر والأخير في النهاية، والقتال المستمر ضد الظلم بكل أشكاله قائم:

نيرون مات ولم تزل روما بعينيها تقاتلْ

وتابعت كغيري وعبر مشاهد حية، ومن خلال وسائط كثيرة، ما تفعله قوة التاريخ المباغتة، وجلاء أمرها فيمن يوقفه أو يلجمه، ليكون اجتثاث أصوله” باسمنته أو خرسانته المسلَّحة، وقبعته، ومحيطه الدائري، ما يذكر بـ( وعلى الباغي تدور الدوائر ).

تابعت فرِحاً، كما يستحق الفرح، بكامل التركيز النفسي، كما تستحق لحظة تاريخية صباحية في التوقيت كهذه من اعتبار ومن تنفّس الصعداء، وحول التمثال من كانوا قبل ظهوره صنماً مفروضاً، وما صيَّره أثراً يمحى هكذا، ومن يستحقون الاستمرار في التاريخ، وأظنهم في الغالب كرداً. ولا أدري هل كان هناك حضور عربي، قبل كل شيء، لأنهم معنيون بنسبه، بلغته المعتبَرة والمحروسة، وعقيدته المحروسة ، حضور له دلالته، تأكيداً على أنهم ضد الظلم، وأن الظلم كان يعني الجميع، وليكونوا أقدر على تقبّل الآتي والاستعداد لبناء مجتمع آخر، مدينة تحتضن الجميع عرباً وكرداً وسرياناً وأرمناً، وبمختلف الأديان الموجودة؟ أم تراهم، في قرارة أنفسهم، وهما يتابعون ما يجري، وفي نفوسهم قهر من نوع آخر، قهر يسميهم، كما كان يجلوهم في مأثرة مزعومة لـ” أمة عربية واحدة- ذات رسالة خالدة ” أي ما يجعلها خارج التاريخ الأرضي، وحسابات المتحول في الزمان والمكان؟أم أنهم أدركوا أو سيدركون أن الذي جرى ويجري أكثر من كونه حدثاً تاريخياً مجيداً، حدثاً تسونامياً، وأكثر، لأنه يفجر ما في الداخل، ويضع ذاكرة المقورين وعلى امتداد عقود من الزمن، في مواجهة تاريخ البطاشين، القاهرين، المتحلقين حول مخلَّد لا يخلَّد، وهم سكارى شعارات ألبستهم ويلات؟

أسقط التمثال الموسوم، وتحرر الحصان نفسه، من ثقل المحمَّل به، طليقاً، ربما، شاعراً براحة في الهواء الطلق.

لعل في ذلك ما أشعرَ قامشلو بدخولها لعتبة عهد جديد، وما ينبّه من يرون التاريخ من زاوية واحدة، أن ليس من تمثال من هذا القبيل أو الفصيل أو الدخيل التاريخي ، مهما كان تمثيله انتماءاً جنسياً أو اثنياً أو لغوياً، وهو بطغيانه بباق.

وأنا من دهوك العزيزة أردد وأنا أيمم شطرك بلهفة محب لمحب، كما تستحق اللحظة المكثفة:

صباح الخير يا قامشلو

صباح الفرح الواعد أكثر يا أهل قامشلو بكل لغاتكم، أديانكم، ثقافاتكم، طالما أن قامشلو تزداد جمالاً وإشراقة روحية بها.

كل صباح وأنتم على وعد بآت يضمكم إليه وملء نفوسكم توق إلى الأجمل، الأصلح والأفضل إنسانياً..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….