نداء إلى الحكومة الانتقالية لا تكرّروا الخطيئة السورية 2/2

د. محمود عباس

 

قُتل محمد سعيد رمضان البوطي لأنه لم ينتمِ إلى أحد، ولأن عقله كان عصيًا على الاصطفاف، ولأن كلمته كانت أعمق من أن تُحتمل.

ولذلك، فإنني لا أستعيد البوطي اليوم بوصفه شيخًا أو عالمًا فقط، بل شاهدًا شهيدًا، ضميرًا نادرًا قُطع صوته في لحظة كانت البلاد أحوج ما تكون إلى صوت عقلٍ يعلو فوق الضجيج، مع ذلك تهربون إلى سلفية ضامرة مدمرة لعصرنا ولسوريا كوطن.

ومن هنا، أقول بوضوح:

إذا كنا نريد فعلاً أن نتفادى الانهيار الشامل، ونمنع الحرب الأهلية التي تنبّأ بها، فلا بد من تطبيق المشروع العقلاني، وهو النظام الفيدرالي اللامركزي، لا كخيار كوردي فقط، بل كصيغة إنقاذ شاملة لسوريا، والخيار الكوردي أثبت جدواه، إذ اجتمع فيه العقل والحكمة والموعظة الحسنة، فكان نورًا يهتدي به في عتمة الدروب. ومواقف الكوردي، شيخ الإسلام في عصر التتار، ما تزال شاهدة على بصيرته، مثلما أكّدها اليوم الشيخ الكوردي البوطي في خطابه وتأويله.

فالوطن الجامع لا يُبنى بشعارات الهوية الأحادية، بل بدستور يعترف بالتعدد، ويضمن الحقوق، ويمنح لكل مكونٍ حيزه في القرار والانتماء.

وإن لم يُطبّق هذا، فسيكون النظام القائم اليوم مجرد نسخة مؤجلة من النظام الذي سقط بالأمس، وقد يسقط بدوره بأيدٍ كانت تصفّق له ذات يوم.

وإذا كنّا، بعد كل هذا الخراب، لا نستطيع أن نعيش معًا في وطنٍ مشترك يضمن الحد الأدنى من الكرامة والعدالة، وإذا كانت سوريا عاجزة عن تأمين حياة كريمة لجميع مكوناتها، فإن الأنسب ليس إعادة إنتاج وطنٍ يقهر الضعيف لحساب القوي، بل التوجه نحو دولٍ متجاورة، تحترم الإنسان، وتصون كرامته، وتؤسس لعلاقات سلمية قائمة على التوازن لا الهيمنة.

فنحن لا نطلب الانفصال، بل نرفض الإلغاء، ولا نسعى إلى التقسيم، بل إلى صيغة تحمي الجميع من تكرار المأساة، أما من يرفض الفيدرالية، فليعلم أنه، من حيث يدري أو لا يدري، يدفع البلاد نحو التفكك إلى كيانات متجاورة، لا نحو الوحدة، فالفيدرالية هي الفرصة الأخيرة لتبقى سوريا واحدة، عادلة، ومتعددة، لا مجرد جغرافيا تتحكم بها أكثرية تلغي الآخر باسم العدد أو القوة.

إن المسؤولية التاريخية تقع اليوم على عاتق كل من يُصرّ على إنكار التعدد، ويمارس السلطة بعقلية الاستعلاء والغلبة، وعلى رأس هؤلاء هيئة تحرير الشام، ومَن ورائها من منظمات ظلامية، وتحديدًا تركيا التي لا تزال تظن أن معارضة الفيدرالية في سوريا ستحميها من مسار مشابه.

لكن الحقيقة أن ما قاله البوطي، حين تحدّث عن مؤتمر العالم الإسلامي الذي عُقد في إسطنبول برعاية القرضاوي وأردوغان، وكيف واجهوه بالشتائم والاتهامات، لم يكن مجرد تفاصيل، بل إشارات واضحة إلى دور تركيا في تلك اللعبة الكبرى.

كان يُدرك أن من يعارض الحلول العادلة، لا يهرب من المآل، بل يؤجّله، ليعود إليه في صورة أكثر فوضوية.

نحن لا نطلب المستحيل، بل نطلب الإنقاذ، لا بالبنادق، بل بالعقول.

ولعل في صوت البوطي، الذي صمت إلى الأبد، ما يُبقي فينا القدرة على الكلام، حين يستفيق العقل قبل أن يبتلعنا الظلام.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mmokurda@gmail.com

15/4/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….

عدنان بدرالدين تدخل الأزمة الإيرانية في أواخر فبراير 2026 مرحلة اختبار جديدة، من دون أن تقترب فعليًا من نقطة حسم. المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقترب من نهايتها، والمفاوضات غير المباشرة في جنيف تستعد لجولة جديدة، فيما تعود الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات طهران ومشهد. ورغم هذا التزامن بين الضغط الخارجي والغضب الداخلي، لا تبدو مؤشرات السقوط الفوري أقوى…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…