من وحي ” نوروز “

صلاح بدرالدين

 

ماذا يعني نوروز لدى الكرد ؟

من المعلوم ان العديد من شعوب الشرق يحتفلون بنوروز ، بينهم الشعوب الايرانية ، والافغان ، والبلوج ، وآذربيجان ، وقرغيزستان ، وباكستان ، وتركيا ، وحتى بعض دول الساحل الافريقي ، ومصر حيث يسمونه – شم النسيم – وهناك بحسب – اليونسكو – اكثر من ( ٣٠٠ مليون ) يحتفلون بنوروز ،  وكل على طريقته ، ورؤيته لتفسير الجوانب التاريخية ، والاجتماعية ، والثقافية لهذا اليوم الذي يصادف بداية فصل الربيع ( ٢١ آذار ) ، والاحتفال بنوروز هو تقليد – زردشتي – الديانة الاصلية للكرد قبل الإسلام ، والكرد هو الشعب الوحيد بين المحتفلين بنوروز ، محروم من دولته المستقلة ، لذلك تعبر المناسبة لديهم فقط بالإضافة الى كونها راس السنة الكردية كعيد قومي ، يرمز الى الحرية والخلاص ، يستمدون كفاحهم من ملحمة البطل الأسطوري كاوا الحداد الذي حرر البلاد في ٢١ آذار  ( ٢٦٣٧ ) حسب التقويم الكردي .

 

خصوصية المناسبة هذا العام لدى الكرد السوريين

  ليس سرا ان الطابع القومي لنوروز هو ما جعل الحركة السياسية الكردية السورية  تتمسك به كرمز تاريخي للكفاح الوطني من اجل الحرية والسلام ، والعيش المشترك ، وفي الوقت ذاته كانت الأنظمة والحكومات المتعاقبة خصوصا بعد التسلط البعثي على الحكم ، تعتبر – نوروز – من الممنوعات ، وفي دائرة الملاحقة الأمنية كل عام ، فمنذ قبل نحو ستة عقود كنا نقوم باحياء المناسبة سرا وفي نطاق حزبي ضيق ، حيث تعقد الخلايا الحزبية اجتماعات محدودة الحضور ويشرح المسؤولون معاني نوروز تحت أضواء الشموع ، وعاما بعد عام تتوسع المشاركة وبحذر شديد لتصل الى خارج المدن ، والارياف ، مع مراقبة وتدخلات من جانب رجال الامن تمنع الرقص الكردي ، وابتسامة الأطفال ، وتخرب المنصات المتواضعة التي تقام فيها المسارح الصغيرة ، وتكسر مكبرات الصوت التي كانت تنقل أصوات المغنين ، يعني كانت قوى القمع تمنع حتى الحياة الطبيعية ، الى جانب ذلك قدم الكرد في أيام نوروز الكثير من الضحايا واولهم الشهيد – سليمان آدي – في نوروز دمشق في زمن الطاغية حافظ الأسد .

  في هذا العام الأول بعد سقوط الاستبداد كان لنوروز طعم آخر ، فقد هب الكرد السورييون عن بكرة ابيهم في جميع المناطق والمدن ليحتفوا بعيدهم القومي بكل حرية ، ومن دون ملاحقة قوى الامن ، والامر الاخر المثير للاهتمام الكبير هو مشاركة شركائنا السوريين في فرحتنا في عدد من المناطق السورية مثل السويداء ، ومنطقة الساحل ، وفي دمشق ، وحلب ، كما كتب العديد من المثقفين السوريين عن المناسبة وللمرة الأولى وبينهم مفكرون ، وفنانون ، واعلامييون ، وتلقيت شخصيا العديد من رسائل التهاني من أصدقاء عرب سوريين ، ومن فلسطين ، وتونس ، والعراق ، ان كل ذلك يدل على قبول حقيقة سوريا التعددية ، المتنوعة ، ووجود الكرد كشعب من سكان سوريا الأصليين ، والتعاطف مع حقوقه ، واحترام خصوصياته القومية والثقافية ، وهذا يدفعنا أيضا الى التمسك بحقوقنا المشروعة وبالعيش المشترك مع شركائنا في سوريا الجديدة التعددية الديموقراطية ، وكانت الفرحة ستكتمل وتعم اكثر لو بادرت الإدارة الانتقالية وخاصة السيد رئيس البلاد احمد الشرع اصدار مرسوم باعتبار نوروز عيدا وطنيا .

 

ملاحظات على هامش بعض الاحتفالات

  لاشك وامام الفرحة العارمة للوسط الشعبي الكردي بالداخل والخارج من نساء ، وصبايا ، وأطفال ، ورجال ، وما أحاط بنوروز من احتفاء من جانب الشركاء وكذلك من جانب بعض دول العالم ، حصلت بعض الأمور نأمل ونتمنى ان لاتتكرر في الأعوام القادمة ومنها على سبيل التذكير : ان لايتم استثمار هذه المناسبة الأهم بالتاريخ الكردي من جانب الأطراف والجماعات الحزبية ، بفرض خطابها واعلامها الخاصة على المحتفلين ، فالمناسبة ترمز أصلا الى الحرية أي حرية الناس في اختيار طريقة الاحتفال ومكانه ، فالمناسبة اكبر من الزعامات الحزبية ، ومن الأحزاب ، والمحاور . والامر الآخر هو ان يحتاط منظمو الاحتفالات ويقطعوا  الطريق امام المحاولات الفردية في رفع اعلام دول معادية لسوريا .

وكل نوروز وانتم بسلام  

شارك المقال :

4 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…