من الطغيان إلى المجهول: حين يعتلي الشرع عرش دمشق

عدنان بدرالدين

 

على مدار أكثر من خمسين عامًا، حملت سوريا عبء سلالةٍ حكمت بالمكر والقسوة. حافِظ الأسد، ضابط عسكري ذو جذور ريفية متواضعة، استولى على السلطة عام 1970 وحوّل سوريا إلى إمبراطورية شخصية. عبر دهاءٍ سياسي وقبضة حديدية، أحكم سيطرته، سحق المعارضة، ورفع نفسه إلى مرتبةٍ شبه إلهية. طُبِعَ عهده بالخوف والقمع، حيث أخمد أصوات المعارضة وبنى نظامًا ارتكز على الولاء والدعاية وقمع الحريات.

 

وعندما رحل حافظ في عام 2000، ورث ابنه بشار الأسد العرش. بشار، طبيب العيون السابق الذي لم يكن يملك خبرة سياسية تُذكر، وعد بالإصلاح لكنه سرعان ما انزلق إلى ظلال والده. بدلا من أن يحمل لواء التغيير، عمّق الاستبداد، متشبثًا بالسلطة عبر القمع الوحشي والفساد، والتلاعب. تحت حكم عائلة الأسد، عانت المكونات السورية، وخاصة الكرد، من اضطهادٍ ممنهج. حُرم الكرد من أبسط حقوقهم، كالمواطنة وحرية التحدث بلغتهم، وواجهوا عقودًا من التهميش، في معاناةٍ تتشابه مع جماعات أخرى أُسكتت تحت وطأة النظام.

 

وفي عام 2011، انفجرت سوريا في موجة من الاحتجاجات، كجزءٍ من الانتفاضات التي اجتاحت العالم العربي. واجه بشار هذه الاحتجاجات بالعنف، مما أغرق البلاد في حربٍ أهلية مدمرة. بدأت سلالة الأسد، التي كانت يومًا رمزًا للسيطرة التي لا تلين، تتهاوى تحت وطأة استبدادها.

 

واليوم، ومع انهيار نظام الأسد، يختلط في قلوب السوريين الأمل بالخوف. يبرز إسم أحمد الشرع أو أبو محمد الجولاني، شخصية وُلدت من رحم الفوضى، ليدّعي العرش في دمشق. كان الجولاني يومًا عضوًا في تنظيمي القاعدة وداعش، وشق طريقه كزعيمٍ لجماعةٍ مسلحةٍ أقامت إمارةً إسلامية على أنقاض سوريا. كان حكمه  مصبوغا بالقمع، فقد جند الأطفال، وحرم النساء من حقوقهن، ولم يتردد في معاقبة معارضيه بأقسى الوسائل، حتى التصفية الجسدية.

بالنسبة لكثيرٍ من السوريين، يبدو صعود أحمد الشرع إلى أعلى هرم السلطة في دمشق، تكرارًا مريرًا للتاريخ. يستذكرون اللحظة التي تخلى فيها حافظ الأسد عن زيه العسكري ليتقمص هيئة السياسي الغربي، في محاولة لإخفاء الذئب تحت ثياب دبلوماسية أنيقة. واليوم، يظهر الجولاني في مشهدٍ مشابه – جهادي تحول إلى رجل دولة، يطلق وعودًا بالتغيير بينما يظل ماضيه المليء بالعنف يطارده.

 

هل يستطيع الشعب السوري حقًا الاحتفال بسقوط طاغية إذا كان ذلك يمهد الطريق لطاغية آخر محتمل؟ وبينما تتردد أصداء الماضي، يظل المستقبل غارقًا في الغموض. هل ستنهض سوريا من جديد، حرة من دورات القمع، أم ستغرق أكثر في اليأس؟

 

إن كرسي دمشق، الذي كان يومًا رمزًا للسلطة المبنية على الخوف، يحمل الآن شاغلا جديدًا، وبالنسبة لشعبٍ متنوع المكونات والهوية، أنهكته المعاناة لعقود، يبقى سؤالٌ واحدٌ معلّقًا: هل هذا فجر الحرية أم مولد ليل آخر؟

 

10 يناير 2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…