مراجعة الخطاب السياسي الكردي في سوريا ، ضرورة استراتيجية في المرحلة الانتقالية.

 اكرم حسين

 

بعد أكثر من عقد على اندلاع الثورة السورية، وما خلَّفته من تحوُّلات جذرية أعادت تشكيل الخريطة السياسية للبلاد، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة تقييم الخطاب السياسي الكردي السوري، لا سيما في ظلّ الواقع الجديد الذي فرضه انهيار سلطة النظام الاسدي ، وصعود فواعل سياسية وعسكرية جديدة . فالتحديّات الاستثنائيّة التي تواجهها الحركة السياسية الكردية اليوم – من انقسامات داخلية إلى تعقيدات المشهد الإقليمي – تتطلَّب نقلة نوعية في الرؤية والأداء، تنتقل بها من التركيز على المطالب القومية “المحدودة” إلى الانخراط الفاعل في بناء دولة المواطنة الديمقراطية، بما يضمن حقوق جميع السوريين ويرسي أسس العدالة والشراكة الوطنية .

لطالما ارتكز الخطاب السياسي الكردي – عبر عقود من القمع الأسدي – على المطالبة بالحقوق القومية الأساسية، كالاعتراف الدستوري بالهوية الكردية، وإنهاء التمييز والمشاريع الشوفينية …الخ . ورغم شرعية هذه المطالب وعدالتها ، إلا أن المرحلة الانتقالية  تفرض منطقاً جديداً . فسقوط نظام الأسد كسلطة ديكتاتورية ، وتشكيل مؤسسات حكم  انتقالية (كالمجلس التشريعي والحكومة الانتقالية)، يقتضيان تحوُّلاً في الاستراتيجية الكردية من “خطاب المطالبة” إلى “خطاب المشاركة”. فالكرد – كشريك تاريخي في النسيج السوري – مطالبون اليوم بالانتقال من دور المطالب بحقوقهم إلى دور الفاعل في مؤسسات الدولة عبر صياغة عقد اجتماعي جديد، يقوم على ضمانات دستورية تكرِّس التعددية، وتحوِل سوريا من دولة الأغلبية والأقلية إلى دولة المواطنة المتساوية.

لا يمكن أن تختزل القضية الكردية في بعدها الاثني  فقط ؛ بل هي اختبار حقيقي لإمكانية تحقيق الديمقراطية السورية. فالتجارب العالمية – من البلقان إلى الشرق الأوسط – تثبت أن إهمال حقوق المكونات يغذّي الصراعات والنزاعات ، ويعطّل سبل  الاستقرار ،  وفي السياق السوري، لا يمكن تصوُّر نظام ديمقراطي مستدام دون حلّ عادل للقضية الكردية، يدمج الحقوق القومية في إطار مشروع وطني جامع. لان الديمقراطية لا تعني حكم الأغلبية فحسب، بل أيضاً حماية حقوق المكونات كافة عبر آليات دستورية وقانونية بحيث تمنع الاستبداد ، سواء أتى باسم القومية أم الدين .

الان ، تواجه الحركة السياسية الكردية مشكلات مصيرية، فمن جهة، تعاني ما تعانيه من انقسام يضعف قدرتها على التمثيل الموحَّد، ومن جهة أخرى، تواجه بتشكيك بعض الأطراف السورية في “الخصوصية الكردية”، وسط صعود خطابات شعبوية تستغلُّ الانقسام ، وفي مواجهة هذا التعقيد، لا بدَّ من مراجعة جذرية تشمل بناء التحالفات وتعزيز العلاقة  مع القوى الديمقراطية السورية التي تشترك في النضال من أجل  قيم مشتركة كالديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتأسيس دولة مدنية ،تعددية  مما يكسب المطالب الكردية شرعية أوسع.   

لم يعد مقبولاً للحركة السياسية الكردية أن تظلَّ رهينة الخطاب التقليدي، أو أن تراهن على دعم خارجي متقلّب. فالمستقبل يبنى بالانخراط الجاد في المعترك الوطني، وبالقدرة على تقديم نموذج يوحِّد السوريين حول قيم الحرية والكرامة والمساواة . إن المراجعة الفكرية والسياسية ليست خيار فحسب، بل شرط لبقاء الكرد كطرف فاعل في معادلة سوريا الجديدة. فإمَّا أن تقدّم الحركة الكردية نفسها كرافعة للديمقراطية الجامعة، أو ستجد نفسها – مع الوقت – على هامش التاريخ.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…