ما هو الهدف من رحلة بزشكيان إلى العراق؟

نظام مير محمدي *

إن النظام الإيراني غارق في الأزمات ولا يوجد لديه مخرج منها، وهو بالضبط كالغريق الذي يتعلق بأي قشة لإنقاذ نفسه. تعترف السلطات ووسائل الإعلام التابعة للنظام بأن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي تعصف بإيران والتي هي نتيجة لـ ٤٥ عامًا من حكم رجال الدين الفاسد، لم تعد قابلة للحل في إطار الإدارة والمسار الحاليين لهذا النظام. والمجتمع الإيراني الثائر أصبح كالبرميل المليء بالبارود، ويمكن أن ينفجر في أي لحظة ليشعل انتفاضة أكبر من انتفاضة عام ٢٠٢٢، المعروفة بـ”ثورة مهسا”. وعلى الصعيد الإقليمي، فإن النظام الإيراني، خاصة بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وأزمة غزة، قد وقع في مأزق ولم يعد لديه سبيل للخروج منه. ولذلك، لم يستطع الرد على عملية اغتيال ضيفه الرفيع المستوى في طهران، إسماعيل هنية، الذي كان حاضرًا في مراسم تنصيب وتحليف بزشكيان. ورغم أن المسؤولين العسكريين والمدنيين وعدوا جميعهم بـ”الانتقام الشديد” وحتى خامنئي أعلن صراحة أنه سيأخذ بثأر هنية، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء. هذا المأزق ناتج عن خريطة الطريق التي وضعها خامنئي للهروب من الأزمات الداخلية وإنقاذ نظامه من السقوط من خلال إشعال حرب غزة وخلق أزمات أخرى في منطقة الشرق الأوسط. ولكنه الآن قد وقع في مأزق من صنع يديه. فإذا اختار خامنئي الحل القائم على تصعيد الأزمات والمواجهة المباشرة، فسوف تحرقه نيرانها حتمًا، مما سيؤدي بلا شك إلى انتفاضة الشعب وسقوط النظام. أما إذا تراجع عن شعاراته الجوفاء والكاذبة حول تحرير فلسطين وتدمير إسرائيل، فإن قواته وميليشياته الوكيلة ستنهار، وسينشق النظام ويواجه الانهيار.

في مثل هذه الظروف، يسعى النظام الإيراني إلى استغلال العراق، الذي وقع تحت قبضته لأكثر من ٢٠ عامًا، بما يخدم مصالحه الشخصية. تتمثل سياسة النظام الإيراني في إدارة علاقاته مع العراق في اعتباره “فناء خلفيًا” له، لكي يتمكن من تصدير جزء من أزماته الداخلية المستعصية إلى هناك. في الوقت ذاته، يسعى للاستفادة القصوى من الموارد والقدرات المالية لهذا البلد فيما يتعلق بالأزمات المالية والعقوبات. كما تمكن في الماضي من التهرب من العقوبات عبر البنوك العراقية والحصول على الأموال. أحد مواقع النظام باسم “دیدار” كتب في ١٠ سبتمبر ٢٠٢٤: “الريال الإيراني هو أضعف عملة في العالم”. وكتبت صحيفة “هم ميهن” الحكومية في ٨ سبتمبر: “٩٢٪ من الإيرانيين يعارضون الوضع الحالي في إيران”. وذكر وزير التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي للنظام في ٨ سبتمبر أن “٣٠٪ من سكان البلاد تحت خط الفقر”. ولكن الرقم الحقيقي أكبر بكثير، حيث يقول الخبراء الاقتصاديون للنظام إن ٨٠٪ من الشعب الإيراني تحت خط الفقر. وقال أحد أساتذة الحوزة العلمية في قم، محمد تقى أكبر نژاد، في ١٢ أغسطس مخاطبًا خامنئي ومسؤولي النظام: “فرصتكم انتهت”.

أجابت بعض الصحف الحكومية الإيرانية أيضًا على هذا السؤال: لماذا اختار بزشكيان العراق كأول وجهة في رحلاته الخارجية؟ كتبت صحيفة “إيران” التابعة للحكومة في ١٠ سبتمبر: “يركز أحد أهم جوانب زيارة الرئيس إلى بغداد على تعزيز التعاون الأمني بين إيران والعراق؛ وهو تعاون يرتكز على اتفاقية أمنية من المتوقع أن تضمن، حال تنفيذها، استقرار وأمن الحدود الشمالية الغربية للجمهورية الإسلامية الإيرانية مع العراق.”  كما كتبت صحيفة “فرهیختکان” التابعة لعلي أكبر ولايتي، وزير خارجية النظام خلال حرب إيران والعراق والمستشار الحالي لخامنئي في الشؤون الدولية، بشأن هدف زيارة بزشكيان إلى العراق:  الهدف الرئيسي من زيارة بزشكيان هو اقتصادي بالدرجة الأولى، ويسعى من خلالها للحصول على الأموال وإبرام عقود تساعد في حل المشكلات والأزمات الاقتصادية، وأهمها ‘تحرير ١١ مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في العراق’، والتي تتعلق بتصدير الكهرباء والغاز إلى هذا البلد، ولكن بسبب العقوبات لا تستطيع إيران الوصول إلى هذه الأموال، ويسعى النظام للضغط على الحكومة العراقية للحصول عليها بأي وسيلة ممكنة.”  كما لخّصت وكالة الأنباء الحكومية “إيلنا” في ٩ سبتمبر أهداف زيارة بزشكيان إلى العراق، مؤكدةً المضامين السابقة، وكتبت: “إن بزشكيان يسعى أساسًا لتحقيق أهداف اقتصادية، ولكنه يحمل أيضًا رسائل سياسية وأمنية تهدف إلى توحيد الأحزاب والعناصر التابعة للنظام داخل الحكومة العراقية مثل نوري المالكي وهادي العامري والحكيم وقيس الخزعلي والعناصر الأخرى المرتبطة بالنظام، حيث ازدادت الخلافات بينهم، وهو ما أثار قلق النظام.”  أما مدى قدرة بزشكيان على حل هذه المشكلات في العراق، فهو أمر سيتضح قريبًا بعد لقاءاته مع المسؤولين العراقيين. ولكن فيما يتعلق بأداء بزشكيان كرئيس إيراني جديد، فإنه لم يحل أيًا من المشكلات والأزمات الداخلية، بل ساهم في تفاقم الخلافات الداخلية، وارتفاع الأسعار، وزيادة قمع النساء، والارتفاع الحاد في أعداد الإعدامات، وتوسيع نطاق التظاهرات والإضرابات والاحتجاجات من قبل فئات مختلفة من المجتمع…

*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…