كوباني ذاكرة الصمود الكردي ورمز سوريا الجديدة

 بوتان زيباري
كوباني، تلك البقعة الصغيرة التي تحوّلت إلى أسطورة محفورة في الذاكرة الكردية والسورية على حد سواء، ليست مجرد مدينة عابرة في صفحات التاريخ، بل هي مرآة تعكس صمود الإنسان حين يشتد الظلام، وتجسيد حي لإرادة شعب اختار المواجهة بدلًا من الاستسلام. لم تكن معركة كوباني مجرد مواجهة عسكرية مع تنظيم إرهابي عابر، بل كانت ملحمة كونية أعادت تعريف البطولة ومعنى الدفاع عن الأرض والكرامة. لقد وقفت المدينة بكل ما تملك من شجاعة أمام قوى الظلام التي أرادت أن تمحو هويتها وتُغرقها في رعب لا ينتهي، لكن صوت المقاومة كان أعلى من دوي المدافع.
إن كوباني ليست مجرد نقطة على خارطة الصراع السوري؛ إنها رمز أخلاقي وإنساني قبل أن تكون ساحة للحسابات السياسية. لقد أظهرت المعركة هناك أن التضامن بين الشعوب، حين يُبنى على القيم لا المصالح، قادر على كسر كل الحواجز. وإن كان التاريخ يُكتب بحبر المنتصرين، فإن كوباني كتبته بدماء أبنائها، وصنعت من جدرانها دروعًا تحمي الحلم السوري من الانهيار تحت أقدام الطغيان. فالمعركة لم تكن فقط لتحرير شوارع المدينة وأزقتها، بل كانت لتحرير العقول من إرث الكراهية والتشظي الذي زرعه الاستبداد.
الحرب على كوباني ليست حربًا على مدينة كردية فحسب، بل هي حرب على فكرة سوريا الجديدة، سوريا التي تُبنى على أسس المساواة والعدالة والشراكة الحقيقية بين كل مكوناتها. الأيدي التي حاولت إسقاط كوباني ليست سوى انعكاس لجهود أكبر لطمس أي أمل في مستقبل مختلف، حيث يصبح الجميع مواطنين متساوين لا رعايا محكومين بالخوف والتفرقة. سوريا التي ننشدها جميعًا لا يمكن أن تُبنى على أنقاض الإنكار والتمييز، بل على الاعتراف المتبادل بين مكوناتها المختلفة.
لكن الأمل يبقى معقودًا على وعي السوريين وقدرتهم على تجاوز خطاب الكراهية الذي سعى الكثيرون لتكريسه. كيف يمكن لسوريا أن تُشفى إذا لم يُعترف بتضحيات الأكراد، هؤلاء الذين وقفوا في الصفوف الأولى دفاعًا عن الأرض والإنسان؟ وكيف يمكن أن تُبنى دولة المواطنة إذا ظلت بعض العقليات غارقة في رواسب الماضي العفن؟ إن وحدة الصف الكردي ليست مجرد خيار تكتيكي، بل هي صمام الأمان لضمان استمرار الحلم الوطني الديمقراطي الذي طالما راود السوريين.
سوريا ليست وطنًا لفئة أو قومية أو طائفة واحدة. إنها فسيفساء من السريان والآشوريين والأرمن والتركمان والعرب والأكراد وغيرهم. التنوع هو ثروة الوطن، وأي محاولة لاحتكاره أو تحجيمه هي بداية النهاية لأي مشروع وطني. إن الاعتراف بمكانة كل مكوّن ليس منّة أو تفضلًا من أحد، بل هو حق أساسي يضمن بناء وطن يتسع للجميع.
كوباني ليست مجرد مدينة كردية على خريطة ملطخة بالدماء والدمار، بل هي درس حي في الشجاعة والتضحية، وهي رمز لوطن يناضل أبناؤه ليولد من جديد. التضامن مع كوباني ليس مجرّد موقف سياسي عابر، بل هو التزام أخلاقي وإنساني يعكس نضجًا وطنيًا. في النهاية، الدفاع عن كوباني هو دفاع عن سوريا الحرة، الديمقراطية، التعددية، التي نحلم بها جميعًا. تلك المدينة التي قاومت لتعيش، تلهمنا اليوم لنقاوم من أجل وطن يستحق أن يُكتب اسمه بأحرف من نور.
السويد
25.12.2024

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…