قراءة في المشهد السوري الراهن ..!

اكرم حسين

يعيش المشهد السوري حالة من التعقيد نتيجة تداخل المصالح الإقليمية والدولية، مع استمرار محاولات فرض واقع جديد على الأرض يعكس الأجندات المختلفة للأطراف الفاعلة . في هذا السياق، تبرز تركيا كأحد اللاعبين الرئيسيين، مستغلةً التحولات الميدانية لإعادة صياغة الخريطة السورية بما يخدم أهدافها الاستراتيجية. حيث تسعى إلى تحقيق هدفين أساسيين: الأول، توسيع نفوذها غرب الفرات عبر دعم الفصائل المسلحة الموالية لها، خاصة “الجيش الوطني السوري”، لإخراج  ” قسد ” من بعض المناطق الاستراتيجية مثل تل رفعت ومنبج، ومنع تشكيل ممر جغرافي متصل للكرد ، والثاني، فرض شروط سياسية تستند إلى القرار 2254 بما يضمن تحقيق مصالحها، ومن بينها تغيير النظام عبر انتخابات رئاسية جديدة وتشكيل حكومة موالية.

تأتي تحركات تركيا في ظل تباين المواقف الدولية والإقليمية. فمن جهة، تدعو الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تطبيق القرار 2254 وخفض التصعيد، مع الاستمرار في دعم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لاحتواء النفوذ الإيراني والروسي ، ومن جهة أخرى، تحاول روسيا وإيران الحفاظ على النظام السوري كحليف استراتيجي، مع استعداد موسكو للتفاهم مع أنقرة أحياناً كما حدث في تل رفعت حين انسحبت القوات الروسية لتجنب المواجهة . أما إسرائيل، فتعمل على استهداف البنية العسكرية السورية والإيرانية لقطع خطوط إمداد حزب الله، ما يتقاطع مع الأجندة الأمريكية والتركية في تفكيك الهيكلية الحالية للدولة السورية.

على الأرض، يحاول الجيش السوري استعادة زمام المبادرة بدعم من حلفائه، في ظل تصعيد المعارضة المسلحة المدعومة من تركيا، والتي تستهدف التقدم نحو حمص وريفها. وفي المقابل، تسعى روسيا إلى إعادة إحياء مسار أستانا، الذي يبدو في حالة تجميد فعلي بسبب تضارب مصالح المشاركين فيه. ومع ذلك، تستمر تركيا في تعزيز موقعها الميداني والسياسي، مستفيدةً من التحولات الإقليمية، مع تهديدات بتنفيذ عملية عسكربة وإقامة منطقة آمنة على طول حدودها في العراق وسوريا لحماية أمنها القومي .

في ظل هذا التعقيد، تتعدد السيناريوهات المستقبلية. أولها، تعزيز النفوذ التركي في الشمال السوري من خلال فرض “منطقة آمنة” على طول الحدود، وهو ما يعني تعميق الانقسام الديموغرافي والسياسي في سوريا، مع زيادة معاناة السكان الكرد اونزوحهم نحو مناطق أخرى. ثانيها، العودة إلى مسار التفاهمات الدولية عبر صيغة تفاوضية جديدة تضم تركيا وروسيا وإيران وبعض الدول الأخرى ، قد تفضي إلى إعادة توزيع النفوذ، دون تحقيق حل جذري للأزمة. أما ثالثها، فهو تصعيد شامل ينجم عن فشل التفاهمات، ما قد يؤدي إلى توسيع رقعة المواجهات العسكرية، وخلق مزيد من الفوضى التي تصب في مصلحة القوى الدولية والإقليمية.

في المحصلة، الأزمة السورية تُظهر حجم التناقضات بين الأطراف الفاعلة، حيث يسعى كل منها إلى تحقيق مكاسب على حساب وحدة سوريا واستقرارها. ومع استمرار التوترات، يصبح من الضروري البحث عن حل شامل يضمن احترام سيادة البلاد ووحدة أراضيها، مع معالجة القضايا العالقة، خاصة تلك المتعلقة بحقوق الكرد . لكن الوصول إلى هذا الحل يظل مرهوناً بمدى استعداد القوى الدولية والإقليمية لتجاوز حساباتها الضيقة ووضع حد لمعاناة السوريين المستمرة…..!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…