صعوبة وحدة الموقف الكردي في سوريا…؟

اكرم حسين 
تعد وحدة الموقف الكردي في سوريا من القضايا المعقدة التي تواجهها الحركة السياسية الكردية منذ عقود رغم أهميتها . فعلى الرغم من وجود تطلعات قومية مشتركة بين مختلف الأطراف الكردية ، إلا أن الواقع يشير إلى تباينات حادة تعيق تحقيق هذه الوحدة، حيث تتداخل فيها العوامل الداخلية والخارجية، السياسية والعسكرية، لتجعل من الاتفاق على رؤية موحدة أمراً بالغ الصعوبة.
أحد أبرز التحديات التي تواجه وحدة الموقف الكردي هو غياب رؤية مشتركة حول مستقبل سوريا بشكل عام والمناطق الكردية بشكل خاص. فالانقسام بين القوى الكردية حول طبيعة النظام السياسي القادم في البلاد ينعكس سلباً على قدرتها على تقديم تصوّر متكامل يعبّرعن طموحات الشعب الكردي. بعض الأطراف كانت وما زالت تسعى إلى تعزيز الشراكة مع المعارضة السورية ، بينما ترى أطراف أخرى أن الحوار مع النظام السابق والحالي هو السبيل الأمثل لتحقيق الحقوق القومية. هذا الاختلاف في الاستراتيجيات السياسية أدى إلى تباعد وجهات النظر وخلق فجوة في التنسيق السياسي.
من ناحية أخرى، تعاني الساحة الكردية السورية من تأثيرات خارجية قوية، حيث تسعى القوى الإقليمية والدولية إلى استغلال القضية الكردية لخدمة مصالحها الخاصة.
التدخل التركي في الشأن الكردي يمثل تحدياً بارزاً، حيث تعتبر أنقرة أن أي خطوة نحو تعزيز الوضع الكردي في سوريا يشكل تهديداً لأمنها القومي. بينما  كان كل من إيران والنظام السوري السابق  ينظران بحذر إلى أي تطور يمكن أن يمنح الكرد دوراً أكبر في مستقبل البلاد. هذه التدخلات الإقليمية زادت من تعقيد المشهد وجعلت من  وحدة الصف الكردي أكثر صعوبة، خاصة في ظل تنافس القوى الدولية والإقليمية على النفوذ في المناطق الكردية.
داخلياً، عانت  القوى الكردية من مشكلات هيكلية وسياسية عرقلت جهود هذه الوحدة. في ظل ضعف ثقافة العمل المشترك ، حيث مالت الأطراف المتنفذة  إلى التفرد بالقرار وتعزيز النفوذ على حساب الآخرين. هذه النزعة الفردية أدت إلى تعزيز الصراعات الحزبية التي لم تعد تعبر عن خلافات مبدئية بقدر ما عكست  صراعاً على السلطة والنفوذ. إضافة إلى ذلك، لم تتمكن الأطر السياسية القائمة ، من لعب دور جامع وحاسم، بسبب التحديات المتعلقة بالهيكلية والشفافية وآليات اتخاذ القرار.
اما على الصعيد العسكري، فقد شكلت الهيمنة الميدانية لبعض القوى الكردية احد العوامل الاساسية التي عقّدت المشهد. فسيطرة قوات سوريا الديمقراطية على أجزاء كبيرة من المناطق الكردية جعل التوازن السياسي والعسكري يميل لصالح جهة محددة ، ما أثار مخاوف الأطراف الأخرى وأضعف إمكانية الحوار المتكافئ . إلى جانب ذلك، فإن الصراع المستمر بين تركيا وحزب العمال الكردستاني زاد من تعقيد الأوضاع، حيث انعكست تداعيات هذا الصراع على الكرد السوريين الذين وجدوا أنفسهم في موقف صعب ، وهم  يدفعون ثمن صراع لا يخصهم بشكل مباشر.
ورغم كل هذه التحديات، فإن تحقيق وحدة الموقف الكردي لا يزال ممكناً إذا ما توفرت الإرادة السياسية والوعي بأهمية الشراكة الحقيقية  ، وذلك يتطلب  تبني خطاب سياسي يعبّرعن المصالح الكردية المشتركة بعيداً عن الأجندات الحزبية الضيقة، مع تعزيز الثقة بين مختلف الأطراف من خلال الحوار المستمر والشفافية في اتخاذ القرارات. كما أن التعامل الواقعي مع التحديات الإقليمية والدولية والبحث عن توازنات تحقق مصالح الكرد دون الانزلاق إلى الصراعات الإقليمية او خوض الحروب  أمر ضروري لتحقيق هذه الوحدة.
وحدة الموقف الكردي ليس مجرد مطلب سياسي، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان الحقوق القومية للشعب الكردي في سوريا، وتعزيز دوره في صياغة مستقبل البلاد في إطار سوري ديمقراطي يضمن العدالة والمساواة لجميع ابنائه و مكوناته.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…