سورية اليوم قد لا تريد فارس الخوري المسيحي

 المهندسِ باسل قس نصر الله

في زمنٍ مضى، كانتْ سوريّٞةَ تصنعُ رجالاً لا تصنعُهمُ ٱلظروفُ، بلْ يصنعونَ ٱلظروفَ ذاتَها. فارسُ ٱلخوريِّ كانَ واحداً منْ هؤلاءِ: معلماً، ومشرِّعاً، ورجلَ دولةٍ يعرفُ أنَّ الوطنَ ليسَ شعاراً يُرفعُ عندَ ٱلحاجةِ، بلْ عقدَ شرفٍ يُمارسُ كلَّ يومٍ.

فارسُ ٱلخوريِّ لمْ يُعرفْ بطائفتِه ولا بمذهبِه، بلْ بسوريّتِه المطلقةِ. وقفَ في وجهِ الانتدابِ الفرنسيِّ، لا بطلقاتِ البنادقِ، بلْ بصلابةِ الموقفِ ونظافةِ اليدِ. جلسَ على مقعدِ المندوبِ الساميِّ الفرنسيِّ ليُعلنَ بصمتِه قبلَ كلامِه أنَّ سوريّٞةَ لشعبِها، لا لمحتليها. كانَ مسيحيّاً، نعمْ، لكنَّه لمْ يكنْ “مسيحيّاً سياسيّاً”، بلْ كانَ سوريّاً منْ رأسِه حتى أخمصِ قدميهِ.

تاريخُ سوريّٞةَ لا يمكنُ فصلُه عنْ وجودِ المسيحيِّينَ فيها، فهمْ السكانُ الأصليُّونَ للمنطقةِ، أحفادُ الآراميِّينَ والسريانِ والعربِ المسيحيِّينَ الذينَ كانوا يعيشونَ في سوريّٞةَ والعراقِ والجزيرةِ الفراتيِّةِ قبلَ الإسلامِ، وساهموا بعدَ ظهورِه مساهمةً فعّالةً في الاقتصادِ والثقافةِ الإسلاميِّةِ، عبرَ ٱلحِرفِ والصناعاتِ اليدويِّةِ والترجماتِ التي أغنتْ الحضارةَ العربيِّةَ الإسلاميِّةَ.

لقدْ كانتِ اللغةُ السريانيَّةُ الآراميَّةُ لغةَ سوريّٞةَ قبلَ ظهورِ الإسلامِ، وهيَ التي تكلَّمَ بها السيِّدُ المسيحُ، وكانتْ سائدةً إلى جانبِ العربيِّةِ في تلكَ المناطقِ. وعندما انتشرَ الإسلامُ، لمْ يكنِ المسيحيُّونَ عناصرَ هامشيِّينَ، بلْ كانوا شركاءَ حقيقيِّينَ، وبنوا معَ المسلميِّنَ حضارةً غنيَّةً متعدِّدةَ الوجوهِ.

لعبَ المسيحيُّونَ الشاميُّونَ منْ سوريّٞةَ ولبنانَ وفلسطينَ، كما المصريُّونَ وغيرُهمْ دوراً طليعيّاً في إرساءِ دعائمِ حركةِ الوحدةِ العربيِّةِ الحديثةِ، واستندوا في ذلكَ إلى القيمِ الحضاريِّةِ الإسلاميِّةِ الكبرى التي تتحدَّثُ عنِ الحرِّيِّةِ والعدلِ والمساواةِ، دونما تناقضٍ معَ خصوصيَّاتِهم الدينيِّةِ. فالمسلمُ والمسيحيُّ في سوريّٞةَ كانا شريكيْنِ في ٱلهَمِّ ٱلوطنيِّ وفي الطموحِ القوميِّ.

لكنَّ سوريّٞةَ اليومَ، وقدْ أنهكتْها عقودٌ منَ الأُحاديَّةِ في الحكمِ ومنَ الإقصاءِ التدريجيِّ للتنوُّعِ، لمْ تعُدْ تريدُ رجالاً منْ طينةِ فارسَ الخوريِّ، بلْ باتتْ تكتفي بتزيينِ واجهتِها بأسماءَ منْ هنا وهناكَ تحتَ شعارِ التنوُّعِ، بينما القرارُ السياسيُّ والثقافيُّ والاجتماعيُّ يُختصرُ بلونٍ واحدٍ، وأنَّ وجودَ بعضِ التنويعاتِ الدينيِّةِ أو المذهبيِّةِ في مواقعِ الدولةِ باتَ أقربَ إلى الديكورِ منه إلى مشاركةٍ فعليَّةٍ في القرارِ الوطنيِّ، مهما كانتِ المناصبُ والامتيازاتُ.

إن الحكمَ بلونٍ واحدٍ، أيّاً كانَ لونُه، لا يستطيعُ بناءَ وطنٍ، ولا إعادةَ صياغةِ مجتمعٍ معافى. التنوُّعُ الحقّ هوَ الضمانةُ الوحيدةُ لبقاءِ سوريّٞةَ حيَّةً. فالحضاراتُ الكبرى – ومنها الحضارةُ السوريَّةُ – لمْ تُبنَ إلّا بتعدُّدِ الأصواتِ والرُؤى.

عبرَ التاريخِ، لمْ يكنِ المجتمعُ السوريُّ متطرِّفاً. لا في إسلامِه ولا في مسيحيَّتِه، ولا في يساريَّتِه ولا في يمينيَّتِه. كانَ الاعتدالُ صفةَ السوريِّينَ، وكانَ التطرُّفُ نتيجةً طارئةً على مجتمعٍ تراجعتْ فيه الحيويَّةُ الفكريَّةُ والثقافيَّةُ. ولذلكَ، كانَ الانزعاجُ كبيراً عامَ 1950 حينما أُقرَّتْ مادّةٌ في الدستورِ السوريِّ تنصُّ على أنَّ الإسلامَ دينُ الدولةِ، ما أثارَ احتجاجاتٍ عارمةً خاصَّةً بينَ المسيحيِّينَ الذينَ كانوا يرونَ في مثلِ هذهِ الموادِّ تهديداً للوحدةِ الوطنيِّةِ، ورآها الآخرونَ وضوحاً لدولةٍ إسلاميةٍ وبعدها عربية.

ومعَ ذلكَ، بقيتْ في الذاكرةِ مشاهدُ مشرقةٌ، مثلَ خطابِ البطريركِ مكسيموسَ الصايغِ في دمشقَ عامَ 1957، حينَ أكَّدَ أنَّ المسيحيِّينَ العربَ لمْ يكونوا أبداً غرباءَ عنْ عروبتِهم، وأنَّهم مستعدُّونَ لتقديمِ الدمِ منْ أجلِ وحدةِ بلادِهم.
فلسطينُ أيضاً قدَّمتْ نموذجاً مشابهاً عندما عقدَ المسلمونَ والمسيحيُّونَ اجتماعَ يافا عامَ 1919، وأكَّدوا أنَّ فلسطينَ جزءٌ منْ سوريّٞةَ الكبرى، وأنَّها يجبُ أنْ تُحكمَ بحكومةٍ تمثيليَّةٍ تجمعُ المسلميِّنَ والمسيحيِّينَ واليهودَ تحتَ سلطةِ الأميرِ فيصلَ.

في كلِّ هذهِ المحطّاتِ، كانَ المسيحيُّونَ شركاءَ لا ضيوفاً. وكانوا، قبلَ الفتحِ الإسلاميِّ وبعدَه، جزءاً أصيلاً منَ النسيجِ الوطنيِّ العربيِّ وحتّى الإسلاميِّ.

إنَّ سوريّٞةَ اليومَ، إذا أرادتْ أنْ تعيدَ بناءَ نفسِها، لا تحتاجُ إلى تكرارِ نماذجَ التزيينِ الطائفيِّ في مؤسّساتِها، بلْ إلى استعادةِ روحِ فارسَ ٱلخوريِّ: روحِ المواطنةِ الحقَّةِ التي ترى في كلِّ سوريٍّ – مسلماً كانَ أو مسيحيّاً أو منْ أيِّ مكوِّنٍ آخر مثل الأكراد والدروز واليزيديين والعلويين والإسماعيليين وغيرهم– ابناً للوطنِ قبلَ أنْ يكونَ تابعاً لهذا ٱلدينِ أو ذاكَ، أو لهذا العِرق أو ذاك.

إنَّ فارسَ ٱلخوريِّ لوْ عاشَ ٱليومَ، لكانَ غريباً عنْ هذا المشهدِ؛ رجلٌ يحلمُ بسوريّٞةَ موحّدةً، بينما الواقعُ يغنّي للفرقةِ وٱلانقسامِ.

لمْ تعُدِ البلادُ تبحثُ عنْ فارسَ الخوريِّ آخرَ. لمْ تعُدْ تحتاجُ إلى رجلٍ وطنيٍّ يعلو فوقَ الاصطفافاتِ، بلْ يبدو وكأنَّها تطلبُ رجالاً يعرفونَ كيفَ يمثّلونَ طوائفَهم قبلَ أنْ يمثّلوا وطنَهم، وكيفَ يفاوضونَ منْ موقعِ الانتماءِ الضيِّقِ لا منْ موقعِ الانتماءِ الشاملِ.

فارسُ ٱلخوريِّ لمْ يطلبْ منْ أحدٍ أنْ يسألهُ عنْ مذهبِه قبلَ أنْ يقبلَ بهِ وزيراً أو رئيساً للوزراءِ. لمْ يقلْ أنا أمثّلُ هذهِ الجماعةَ أو تلكَ. كانَ يمثِّلُ سوريّٞةَ بكلِّ ما تحملهُ ٱلكلمةُ منْ معنى. ولهذا السببِ بالتحديدِ، فإنَّ سوريّٞةَ اليومَ، كما يبدو، لا تريدُ فارسَ ٱلخوريِّ. لا تريدُه، لأنَّها في لحظةٍ منْ لحظاتِ تعبِها، فضّلتْ أنْ تبحثَ عنْ وكلاءِ مصالحَ لا عنْ رجالِ مبادئَ

اللهمَّ اشهدْ أنِّي بلَّغتُ.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…