سوريا: دستور الإقصاء وازدواجية المعايير

عبدالجابر حبيب

 

= التكرار القاتل: من نظام بعثي إلى دستور بائس

 

عندما تعصف الأحداث بالأوطان، يكون الدستور هو الميثاق الذي يُعيد التوازن ويمنح الجميع شعور الانتماء، لكن مسودة الدستور السوري الجديد لم تكن سوى صدى باهت للأنظمة السابقة، لا تحمل سوى خيبات جديدة لمكونات الوطن. لم يكن الكردي، أو الأرمني،أو السرياني أو الآشوري…. يتوقع معجزة، لكن على الأقل كان يأمل أن تكون هناك بارقة تغيير بعد عقود من التهميش، ليُفاجأ بأن شيئاً لم يتغير؛ وكأن من كتبوا الدستور استنسخوا النظام البعثي وأعادوا تغليفه.

 

في سوريا، هناك مثل شعبي يقول: “تِـيْـتي تِـيْـتي، متل ما رحتي متل ما جيتي”. وهذا بالضبط ما حدث؛ فالنظام يتغير اسمه، لكن العقلية تبقى واحدة، والإقصاء يظل سيد المشهد.

 

= التناقض الصارخ: حرية التعبير على الورق فقط

 

من المفارقات المضحكة المبكية أن الدستور الجديد يتحدث في المادة 13 عن ضمان الدولة “حرية التعبير والرأي والإعلام والنشر والصحافة، وتمارس وفقًا للقانون الذي ينظمها بما يضمن حماية النظام العام واحترام حقوق الآخرين”.

 

لكن أي حرية يمكن الحديث عنها إذا كان المواطن محروماً من الاعتراف بهويته القومية؟ كيف يمكن لكردي أن يشعر بانتمائه، وهو يحمل هوية مكتوب عليها: “الجنسية: عربي سوري”؟ هل يُعقل أن تُصادر هوية الإنسان باسمه وبقوة القانون، ثم يُطالب بعد ذلك بالولاء لدولة تنكر وجوده؟

 

إذا كان هؤلاء الذين صاغوا الدستور يزعمون أنهم يحترمون حقوق الآخرين، فليفسروا لنا كيف يُمكن لإنسان أن يكون حُرًّا بينما تُسلب منه أهم ما يملك: هويته.

 

= اللغة الرسمية أم الهيمنة القومية؟

 

لا ضير في أن تكون العربية هي اللغة الرسمية، لكن المعضلة ليست في اللغة بل في هيمنة الهوية القومية الواحدة وإقصاء بقية المكونات. الدستور يتحدث عن “احترام جميع مكونات المجتمع السوري”، لكن عندما يصل الأمر إلى الممارسة، فإن الاعتراف لا يتجاوز الحبر على الورق.

 

حتى البيان المشترك بين السيد أحمد الشرع والجنرال مظلوم عبدي، والذي ينص في بنده الثاني على أن: “المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية”، يبدو كذرٍّ للرماد في العيون، لأن الدستور نفسه يتناقض مع هذا الاعتراف.

 

أليس هذا نكثاً للعهود؟ قال الله تعالى في كتابه الكريم:

 

“وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا” (الإسراء: 34)

 

فكيف يُمكن لدولة أن تطالب بالولاء لدستورها، بينما هي أول من ينقض وعودها؟

 

= الجمهورية السورية: اسم لكل السوريين

 

إن الدعوة إلى إزالة “العربية” من اسم الجمهورية ليست دعوة ضد العرب، بل هي دعوة إلى احتضان الجميع تحت مظلة وطنية واحدة. التسمية ليست مجرد كلمات على الأوراق الرسمية، بل هي انعكاس لشعور المواطنين بالانتماء.

 

قبل الحكم البعثي، كان اسم “الجمهورية السورية” يبعث الفخر في قلب كل سوري، دون تمييز بين أرمني وعربي وكردي وسرياني وتركماني، فلماذا الإصرار على فرض هوية واحدة على مجتمع متعدد القوميات والثقافات؟ إن سوريا ستكون أكثر شرفاً باسمها القديم، حيث يكون الجنسية: سوري، بدلاً من فرض انتماء قومي على من لا ينتمي إليه.

 

= التعددية ليست استثناءً، بل قاعدة في الدول المتحضرة

 

هناك العديد من الدول متعددة القوميات التي لم تُطلق اسم الأكثرية على الدولة، لأنها تدرك أن المسألة ليست مسألة أرقام، بل مسألة شعور جميع المكونات بالانتماء.

 

في سويسرا، لا توجد قومية واحدة مهيمنة، بل أربع لغات رسمية (الألمانية، الفرنسية، الإيطالية، والرومانشية).

 

في الهند، رغم أن الهندية هي اللغة الأكثر انتشاراً، إلا أن الدستور يعترف رسمياً بعدة لغات أخرى، لضمان حقوق المكونات المختلفة.

 

في كندا، هناك اعتراف بثنائية اللغة (الإنجليزية والفرنسية) لضمان حقوق الجميع.

 

 

إذا كانت هذه الدول قد وجدت طريقاً لتحقيق التعايش السلمي الحقيقي، فلماذا يُصر البعض في سوريا على نسخ نموذج الهيمنة البعثية؟

 

= خمسون عاماً من النفي داخل الوطن

 

لمدة خمسين عاماً، لم يشعر غير العرب في سوريا أنهم ينتمون لهذا الوطن، رغم أنهم دفعوا آلاف الشهداء، لا من أجل إسقاط النظام فحسب، بل من أجل أن يكون لهم وطن يعترفون به ويعترف بهم. الوطن ليس شعاراً فارغاً، بل هو شعور بالانتماء، وهذا الشعور لا يُفرض بالقوة، بل بالعدل والمساواة.

 

لكن، عندما يأتي مجموعة من الشوفينيين ويُعيدون نسخ دستور 2012 دون تغيير يُذكر، فهذه ليست مجرد خيبة أمل، بل كارثة تاريخية.

 

= دستور أسود أكثر ظلمة من براميل الأسد

 

إن الاعتراف بهذه المسودة السوداء سيكون كارثة أكبر من براميل بشار الأسد. فعلى الأقل، النظام البعثي لم يدّعِ أنه جاء بالديمقراطية، بينما هذا الدستور يحاول أن يخدع الجميع تحت ستار “التعددية والحريات”، بينما هو في الحقيقة يُعيد إنتاج نفس القهر بأدوات جديدة.

 

إن مأساوية هذه المسودة لا تقل عن مأساوية النظام نفسه، فالأسد يدّعي أن “سوريا لآل الأسد”، وهذا الدستور يدّعي أن “سوريا للعرب فقط”، والنتيجة واحدة: نظام إقصائي يستمر بتغيير الأسماء، لكنه يبقى نفسه في الجوهر.

 

= سوريا للجميع، أو ليست سوريا

 

ندعو إلى وطن يكون للجميع، وطن يُسمى ببساطة: “سوريا”، أو “الجمهورية السورية”، وطن لا يُفرض فيه انتماء قومي على أحد، بل يعيش الجميع تحت مظلته.

 

لكن، إن لم يكن هذا الوطن يتسع للجميع، فإنه لا يمثلنا. وإن كنا على خطأ ليرشدنا أحد الذين كتبوا مسودة الدستور، ويقول:أنت كردي عربي. كيف يكون ذلك ياسيدي الرئيس؟ هل يجوز الجمع بين متناقضين…ولكن ما أسهل أن تجمع بينهما حياة مشركة في وطن واحد : أنا كردي  سوري….أنا عربي  سوري. الكرد موجودن في تركيا وإيران  والعراق، والعرب موجودون في البلاد العربية  الكويت ..السعودية … مصر …..إلخ

 

= النداء الأخير إلى القوى الكردية

 

إن هذه المرحلة حاسمة في تاريخ سوريا والمنطقة، وعلى القوى الكردية أن تكون على قدر المسؤولية، لأن أي تهاون في هذه اللحظة سيؤدي إلى ترسيخ نظام الإقصاء لعقود قادمة.

 

إن التاريخ لا يرحم الضعفاء، ومن لا يستطيع انتزاع حقه اليوم، فلن يجده غداً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زار وفد من المنظمة الآثورية الديمقراطية ضم السيد كبرئيل موشي مسؤول المنظمة والسيد بشير سعدي نائب المسؤول، والسيد ريمون يوخنا عضو الأمانة العامة، مكتب المجلس الوطني الكردي في دمشق، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق المشترك. وكان في استقبال الوفد الأستاذ نعمت داوود، عضو هيئة رئاسة المجلس، والأستاذ لقمان أوسو، رئيس محلية دمشق، حيث بحث الجانبان لقاء رئاسة المجلس مع…

شارك وفدٌ من ممثلية أوروباللمجلس الوطني الكردي في سوريا في إحياء الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد المناضل نصرالدين برهك عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وضمّ الوفد كلاً من السيد عبد الكريم حاجي رئيس ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا، إلى جانب وفدٍ من مكتب العلاقات شمل كلاً من كاميران خلف برو مسؤول مكتب العلاقات، وجنكيدار محمد، وباران درباس….

عبدو خليل Abdo Khalil أواخر صيف عام 2012 كنت قد لجأت للقرية هربا من مخاطر الاعتقال.. كانت المنطقة سلمت بالكامل من قبل النظام السوري للعمال الكردستاني ولم يتبقى سوى بعض عناصر الأمن المكلفين بالمراقبة عن بعد.. جاء يوم َرفع فيه فتية وفتيات قريتنا نازواوشاغي علم الثورة فوق مسجد القرية.. سرعان ما أصاب الذعر زعران قنديل.. نزلوا العلم وتوعدوا أهل القرية…..

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…