رمادٌ لم يُدفن: كيف يُعاد تدوير الجريمة في ذاكرة الأمم؟

بوتان زيباري

في حضرة التاريخ، لا شيء يموت تمامًا. فحتى الجثث التي دُفنت في أعماق الذاكرة الجمعية، قد تعود، لا بأجسادها، بل بأفكارها، برموزها، بأشباحها التي تسكن الكلمات والخطابات والسياسات. من هنا، يحق لنا أن نسأل: من ذا الذي يملك الحق في كتابة الرواية؟ ومن ذا الذي يُمنح سلطة البكاء أو الصراخ أو حتى الصمت؟

لقد بات من المألوف في زمننا أن يتحوّل السفّاح إلى أيقونة، لا لأن جرائمه كانت أقل قسوة، بل لأن الذاكرة قد عُجنت في مطبخ السلطة، وغُسلت بالألوان الوطنية حتى غدت القسوة بطولة، والقمع حكمة، والخيانة حنكة دبلوماسية. نرى تماثيلهم في الساحات، أسماؤهم على الشوارع، وتُدرّس سياساتهم على أنها دروس في “الحزم”. لا عجب، إذًا، أن يصبح الناجي متّهمًا: يُسأل عن صمته حين لم يكن يملك صوتًا، ويُدان لأنه نجح في الإفلات من المقصلة.

الناجي، في منطق الدولة، دائمًا مشتبه به. نجاته ليست دليلًا على الحياة، بل على الخيانة المحتملة. فهل كان متواطئًا؟ لماذا لم يُقتل؟ ولماذا يتكلم الآن؟ وهكذا، تتبدل ملامح الضحية شيئًا فشيئًا، حتى يغدو صدقه خطرًا على استقرار الأكاذيب.

أما الشاهد، الذي رأى وسَجّل وتحمّل، فلا يُستدعى للإضاءة على ما حدث، بل يُستغل لتبرير ما يحدث. شهادته لا تُقرأ ببراءتها، بل تُقطع وتُعاد تركيبها، كي تخدم معركةً أخرى لا علاقة لها بجراحه. يصبح أداة، يُمسك أحدهم صوته كما تُمسك بندقية، ويوجه بها ضربة في نزاع جديد، قد يشبه النزاع القديم، لكنه أكثر تعقيدًا وأقل شرفًا.

نحن لا نعيش ما بعد الحرب، بل نعيش في ظلالها. الحرب، في جوهرها، لم تكن معركة بين جيوش، بل بين سرديات. وكلما اعتقدنا أن معركة السرد انتهت، خرجت من ركام النسيان سردية جديدة، ترتدي قناع الضحية وهي تقود المجزرة.

تلك الرموز التي لم تُدفن بعد، لا تزال تمطر رمادها علينا. رماد الأيديولوجيات التي تكسّرت ولم تُحاسب. رماد الصفقات التي أبرمت في العتمة، وتُكرّر اليوم في وضح النهار. رماد الأسئلة التي لم تُجب، والقبور التي لم يُزَرها أحد، لأن في زيارتها اعترافًا، وفي الاعتراف خطرًا على بناء السلطة.

أيُّ سماء هذه التي نعيش تحتها، حين تمطر التاريخ لا المطر؟ حين يُعاد تدوير الخوف، وتُصبغ الجريمة بلون جديد، وتُمنح الأعلام لقادةٍ كانوا يومًا جلاّدين؟

إن سخرية التاريخ ليست في عبثية ما وقع، بل في جديّة من يُصرّ على إعادة ارتكابه، وهو يرتدي ربطة عنق، ويتحدث عن الاستقرار. إنها مأساة من نوع مختلف: مأساة المُنقَذ الذي يُطلب منه أن يشكر من أنقذه من النار التي هو نفسه أشعلها.

إننا لا نحتاج إلى كتابة التاريخ من جديد، بل إلى دفنه كما ينبغي. إلى عدالة لا تكتفي بنصب النُصُب التذكارية، بل تزيح التماثيل التي وُضعت فوق الجراح كي لا تُرى.

لعل أكبر أكذوبة في عالم ما بعد الحرب هي أننا تجاوزناها. أما الحقيقة، فهي أننا فقط بدلنا زيّ المعركة، وتركنا الرماد يتساقط دون أن نرفع رؤوسنا لنسأل: هل انتهت النار حقًا؟

السويد

07.05.2025

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…