حيث لا ينفع الندم

عزالدين ملا

يبدو أن منطقة الشرق الأوسط دخلت مرحلة جديدة بعد الأحداث والسيناريوهات الأخيرة، والتي أذهلت العالم بأساليب هجومية غير مسبوقة، لم نراها سوى في الأفلام الهوليودية، فما فعلته إسرائيل ضد حزب الله باختراق أجهزة البيجر وتفجيرها في وقت واحد ووقوع خسائر بشرية كبيرة ضمن صفوف الحزب دون أن يحرك أيٍّ من اسلحته وبتكلفة بسيطة، دفع الدول إلى نتيجة بأن الحروب التقليدية لم تعد مجدية، وأن العلم والتكنولوجيا سيّدا العالم، وهذا كله حسب اعتقادي قد تدفع بالأمور نحو التهدئة وإحلال الأمن والسلام في العالم، وبالأخص عندما يتم قصقصة أجنحة الوكلاء والأدوات الخارجة عن القانون، والذين تمادوا، وعاثوا فساداً وخراباً في الدول التي تحتويهم، وبعد أن ذاق شعوب المنطقة ذِرعاً وذُعراّ.

بتصوري، أن كل ما نراه من أحداث في كل الدول الشرق الأوسطية التي هي الآن تحت تأثير الفوضى نفسها ونفس الطرق والوجوه ولكن الأسماء تتغير، لذا يمكن القول: نفس السياسة تطبق في كافة الدول الشرق الأوسطية، وتستخدم نفس الأدوات والأذرع العسكرية المحلية من ميليشيات وفصائل ولكن تحت أسماء وشعارات مختلفة عن بعضها البعض وكل واحد منها ضد طائفة أو قومية.

لذلك المحرّك لهذه الأذرع والأدوات جهة واحدة أو يمكن القول انه تنسيق استخباراتي لكافة الدول الداخلة والمتداخلة في شؤون منطقة الشرق الأوسط، ما يحدث في اليمن من قبل ميليشيات الحوثي، يحدث الآن في لبنان من قبل ميليشيات حزب الله، حدث ويحدث أيضاً في غزة من قبل حركة حماس التي دمّرت بنية منطقة غزة التحتية، وكذلك في سوريا والعراق، ضمن كل قومية وطائفة.

جميع هذه الأذرع والأدوات تُدار عن طريق رغبات جهات خارجة عن إرادة وتطلُّعات شعوب المنطقة، تخلق حالات الفوضى وعدم الاستقرار، وتعزف على وتر عاطفة الشعوب، وأهم وسائلها الدعاية الإعلامية والزخم في إثارة المصطلحات العاطفية الفضفاضة التي تبعث النشوة، وتوهم هذه الشعوب أنّهم جاؤوا لخلاصهم من العبودية وتعزف على موسيقا الشعور القومي والوطني، من خلال ذلك تحقق نجاحات في اختراق الشعور العاطفي للمواطن العادي، ومن ثم تقوم هذه الميليشيات بتنفيذ مهماتها العدائية لهذه الشعوب وبرغبتهم وعن سبق إصرار وتصميم، دون أن تدرك هذه الشعوب أن الميليشيات ليست سوى النافذة التي ستدخل منها رياح هلاكهم ودمارهم.

تبدأ هذه الميليشيات بتنفيذ أهدافها من تجنيد أبناء المدنيين وبرغباتهم وهؤلاء الشباب يحاربون عن قناعة بأنهم يدافعون عن وطنهم وشرفهم وكرامتهم ولكن في الحقيقة هم يدافعون عن مخططات وأهداف هذه الميليشيات والدول التي يتبعونها دون أن يعلموا. فتقوم هذه الجماعة بابتزاز الشعوب ونهب خيراتهم وتنفيذ أجندات دول الكبرى والإقليمية.

كل هذه الميليشيات والفصائل هيس أذرع وأدوات هدفها ذو حدّين من جهة تنفيذ أجندات ومآرب الدول المعادية لطموحات شعوب المنطقة ومن جهة أخرى نهب خيرات المنطقة لصالح تلك الدول، وتنفيذ سياسة الأرض المحروقة أو بعبارة أخرى سياسة شعوب محروقة، من خلال التجويع والإفقار، ليبقوا رهيني إرادات هذه الدول المعادية.

المطلوب من شعوب المنطقة الاستيقاظ من غفوتها قبل فوات الأوان، وعدم الانجرار خلف شعارات وهمية خادعة، فالوضع نحو الهاوية، والخطر كبير إذا لم تداركه.

وما هو ماثل أمام أعيننا في منطقة الشرق الأوسط من فوضى ودمار وخراب، ليس سوى نتيجة الشعارات المتخمة بالخداع والمراوغة نادت بها تلك الأدوات والأذرع، وكلاء الخديعة والنفاق.

لذا، عليه النظر إلى الحقيقة من خلال عقله وليس عاطفته، فالإحكام بالعقل ينتج الصواب ويدفع نحو الحزم وإظهار ما هو خفي ومرعب الذي ينتظر شعوب المنطقة، أما الإحكام بالشعور العاطفي والبعيد عن التفكير والدراية سيدفع بالشعوب المنطقة نحو نفق مظلم لا يمكن الرجوع عنه، حيث لا ينفع الندم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…