حتى تتعافى سوريا وتنهض من جديد؟

 أكرم حسين

 

تعيش سوريا اليوم لحظة فارقة في تاريخها الحديث، فالدولة السورية التي خرجت من أتون الحرب والدمار والانقسام ، ما تزال في غرفة العناية المشددة، تنتظر من ينقذها وينهض بها، وفق رؤية وطنية تتماشى مع روح العصر ونظرة العالم المتحضر. لا مجال للترقيع أو التجميل، بل نحن أمام مهمة تأسيس دولة حقيقية على أسس سليمة.

أولى هذه الأسس هي إعادة تنظيم الجيش السوري على أسس وطنية ومهنية، بما يضمن ولاءه للدولة لا للأفراد أو الأيديولوجيات أو القوى الخارجية. فجيش أي دولة هو ضمان استقرارها، ولا يمكن الحديث عن دولة مستقلة وذات سيادة طالما أن جيشها مخترق من قوى أجنبية أو خاضع لإرادات غير وطنية. يجب أن يكون جيشاً جامعاً، غير طائفي، ينضوي تحت مظلة دستور واضح ومؤسسات مدنية ديمقراطية.

كما لا بد من أن تكون سوريا دولة مدنية قائمة على المواطنة المتساوية، حيث لا تمييز بين المواطنين على أساس الدين أو القومية أو المذهب أو الانتماء السياسي. فالدولة المدنية في سوريا  ليست ترفاً، بل ضرورة لبناء مجتمع متماسك يتساوى فيه الجميع أمام القانون وتُكفل فيه الحريات والحقوق. لا يمكن أن تُبنى سوريا الجديدة على أسس الإقصاء والتمييز، بل على العدالة والكرامة واحترام الإنسان كقيمة عليا.

وفي هذا السياق، فإن سيادة القانون واستقلال القضاء يجب أن يكونا حجر الزاوية في المشروع الوطني السوري. فبدون قضاء مستقل، لا يمكن الحديث عن عدالة، وبدون عدالة لا يمكن الحديث عن مصالحة أو استقرار حقيقي. العدالة هي التي تعيد الثقة بين المواطن والدولة، وهي التي تفتح الباب أمام تجاوز الماضي وتفتح صفحة جديدة من الثقة والانتماء.

لقد جرّبت سوريا الكثير من النظريات والمقاربات الفاشلة كالاسدية ، واليوم لا وقت للتجريب. ما تحتاجه سوريا هو العودة إلى المبادئ الأساسية للديمقراطية، القائمة على التشاركية الواسعة في رسم السياسات واتخاذ القرارات، دون إقصاء أو تهميش لأي مكوّن أو تيار. فالديمقراطية ليست فقط صندوق اقتراع، بل ثقافة حكم، وآلية لضمان التوازن والرقابة والتداول السلمي للسلطة.

ان تأسيس الدولة السورية الناشئة لا يكون إلا من خلال مشروع وطني جامع، ينطلق من الداخل ويستجيب لحاجات الناس ومعاناتهم. فالسوريون اليوم منهكون، يريدون دولة توفر لهم الأمان، والتعليم، والرعاية الصحية، والخبز، والكهرباء، والعمل. وبالتالي فإن تحسين مستوى الخدمات والمعيشة لم يعد مطلباً عادياً بل هو أولوية وطنية وإنسانية لا تحتمل التأجيل.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه بعض الأطراف عن ضرورة رفع العقوبات، فإن الحل لا يكمن في انتظار الخارج أو تحميله مسؤولية كل شيء، بل في تحريك عجلة الاقتصاد من الداخل، واستثمار الثروات الوطنية السورية الهائلة من نفط وغاز وزراعة وصناعة. فالتعافي الاقتصادي ممكن، لكنه يحتاج إلى شفافية، واستقرار سياسي، وبيئة قانونية واقتصادية جاذبة للاستثمار، قبل أي شيء آخر.

تقع  المسؤولية اليوم على عاتق الإدارة السورية الجديدة ممثلة بالرئيس احمد الشرع  وحكومته الانتقالية ، لأنها تدعي  تمثيل الشعب السوري و”تحتكر” السلطة . لقد سئم السوريون الشعارات والوعود ، وهم بأمسّ الحاجة إلى أفعال تترجم إلى أمن وكرامة ولقمة عيش. آن الأوان لتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة، وللخروج من دوامة المحاور والتبعيات، والانحياز لصوت الناس لا لصوت السلاح أو الخارج. فالوطن لا يُبنى بالخطابات ولا بالشعارات ، بل بالرؤية والعمل، وبالقدرة على بناء شراكات حقيقية تضمن لكل مكوّن مكانته ودوره وكرامته.

فالحرص على إنقاذ سوريا، يعني فتح  الأبواب أمام حل وطني شامل، يشارك فيه الجميع، ويستند إلى الديمقراطية والمواطنة والعدالة، قبل فوت الأوان وتضيع الفرصة الأخيرة لإنهاض الدولة السورية من تحت الركام.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زار وفد من المنظمة الآثورية الديمقراطية ضم السيد كبرئيل موشي مسؤول المنظمة والسيد بشير سعدي نائب المسؤول، والسيد ريمون يوخنا عضو الأمانة العامة، مكتب المجلس الوطني الكردي في دمشق، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق المشترك. وكان في استقبال الوفد الأستاذ نعمت داوود، عضو هيئة رئاسة المجلس، والأستاذ لقمان أوسو، رئيس محلية دمشق، حيث بحث الجانبان لقاء رئاسة المجلس مع…

شارك وفدٌ من ممثلية أوروباللمجلس الوطني الكردي في سوريا في إحياء الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد المناضل نصرالدين برهك عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وضمّ الوفد كلاً من السيد عبد الكريم حاجي رئيس ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا، إلى جانب وفدٍ من مكتب العلاقات شمل كلاً من كاميران خلف برو مسؤول مكتب العلاقات، وجنكيدار محمد، وباران درباس….

عبدو خليل Abdo Khalil أواخر صيف عام 2012 كنت قد لجأت للقرية هربا من مخاطر الاعتقال.. كانت المنطقة سلمت بالكامل من قبل النظام السوري للعمال الكردستاني ولم يتبقى سوى بعض عناصر الأمن المكلفين بالمراقبة عن بعد.. جاء يوم َرفع فيه فتية وفتيات قريتنا نازواوشاغي علم الثورة فوق مسجد القرية.. سرعان ما أصاب الذعر زعران قنديل.. نزلوا العلم وتوعدوا أهل القرية…..

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…