“تفليل” العلويين ونفاق الإعلام العربي!

إبراهيم اليوسف

 

لا خلاف في أن سقوط النظام المجرم أدى إلى تضرر فلول النظام الحقيقيين من ضباط القصر، ومسؤولي الأجهزة الأمنية، وعناصر المخابرات الذين عاثوا إجراماً على مدى أربع وخمسين سنة. هؤلاء خسروا مكانتهم وسطوتهم، بعدما كانوا كلاباً أميرية تحمي النظام بوحشية. سواء نجح بعضهم في تسوية أوضاعهم أم لم ينجحوا، فإنهم – وفق تصوري – لن ينجوا من المثول أمام محاكم العدالة الانتقالية، أو ربما الانتقائية، حيث إن بعض المتورطين في الجرائم قفزوا سريعاً إلى مراكب العهد الجديد.

لا يمكن إنكار أن نداء بعض مشايخ العلويين الموجه إلى إسرائيل – رغم دلالته على الجهل السياسي – جاء بعد استهداف العلويين وتهديدهم، وارتكاب العديد من الجرائم بحقهم، التي اعتُبرت مجرد “حوادث فردية” من قبل أولي الأمر. كما أن تأسيس “المجلس العسكري لتحرير سوريا”، وتهديدات إيران، وتحركات فلول حزب الله المهزومين، ومصلحة روسيا في استعادة تدخلها والتحكم بالقصر الجمهوري الذي تتنازع عليه تركيا وبعض الدول العربية، كانت كلها عوامل وراء رفض بعض القوى تسليم أسلحتها للنظام الجديد.

العلويون بين التعميم والانتقام

صحيح أن فلول الأسد هم نتاج نظامه الذي لفظه حتى العلويون الشرفاء، الذين كان أبناؤهم من أوائل المعارضين له، وعانوا من سجونه كما عانى غيرهم من السوريين. إلا أن ما يجري اليوم من عمليات قتل ممنهج واعتداءات على المدنيين في الساحل السوري يتجاوز مسألة مواجهة الفلول. ولا يمكن القبول بتسويغ قتل المدنيين العزل لمجرد انتمائهم الطائفي، أو نهب ممتلكاتهم تحت غطاء محاربة النظام.

الطبيب، الصيدلاني، الأكاديمي المدني الذي يُقتل في بيته لا علاقة له بمخططات إيران أو إسرائيل أو روسيا. استخدام مصطلح “الفلول” بهذا الشكل الفضفاض، بحيث يُشمل به كل علوي، هو خطر حقيقي، ويفتح الباب أمام انتهاكات لا تقل وحشية عن جرائم النظام السابق. ما يحدث من سرقة ممتلكات الفقراء، وقتل القاصرين أمام أعين عائلاتهم، وارتكاب مجازر بمحاكمات ميدانية، كلها ممارسات تعيد إلى الأذهان ما كان يفعله النظام داخل السجون وخارجها. الفرق الوحيد أن القتلة الجدد لا يخفون جرائمهم، وربما سنسمع قريباً عن مقابر جماعية، أو رمي الجثث في البحر كما كان يفعل النظام.

مسؤولية القيادة الجديدة

إطلاق يد الفصائل الإرهابية في مناطق العلويين مسؤولية القيادة الجديدة، وعلى رأسها السيد أحمد الشرع. خطابه الأخير حمل نبرة وعيد تذكرنا بخطبة الحجاج بن يوسف الثقفي، بينما كان الأجدر به أن يوجه رسالة طمأنة إلى السوريين، لا أن يعيد إنتاج خطاب الأسد، الذي طالما كان مليئاً بالافتراءات. من المؤسف أن الفريق الاستشاري المحيط به لم يوجهه نحو خطاب أكثر مسؤولية، يراعي حساسية الوضع، ويعزز الاستقرار بدلاً من التحريض على مزيد من العنف.

نفاق الإعلام العربي

لم يكن الإعلام السوري، في ظل نظام الأسد، سوى آلة كذب وتضليل. وكنا نأمل أن يكون الإعلام الجديد أكثر شفافية، لكنه للأسف سقط في الفخ نفسه. لم يعكس الجرائم التي تُرتكب بحق المدنيين الأبرياء في الساحل، بل تبنى خطاباً سلطوياً لا يختلف كثيراً عن إعلام النظام السابق. الإعلام ليس ملكاً للسلطة الجديدة، بل هو ملك لكل السوريين الذين قدموا تضحيات جسيمة للوصول إلى هذه المرحلة.

نحن جميعاً مع محاسبة فلول النظام البائد وفق معايير العدالة الانتقالية، لا الانتقائية، لكن تحويل كل علوي إلى “فلول” هو خطر يهدد النسيج السوري. هناك من يسعى لتكريس منطق الانتقام، مستغلاً حالة الفوضى، وهو منطق لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والانقسام. سوريا ليست دولة لطائفة واحدة، بل لكل السوريين، وأي وهم بأن هناك “أكثرية” تمتلك حق الهيمنة هو خطأ قاتل. كسني،  واراثياً، بما لايد لي في ذلك، لا أقبل دولة قائمة على الطائفية، وأرفض- كشخص- فكرة ” تطييف الانتماء”. لأن سوريا يجب أن تكون لجميع أبنائها.

المؤامرات الإقليمية

لا شك أن هناك جهات إقليمية تسعى إلى تشويه ما يحدث في سوريا. بعض القوى تستغل الفوضى لتبرير تدخلها، سواء تحت ذريعة محاربة الإرهاب أو حماية الأقليات. الإرهابي القادم من وراء البحار يُقدَّم كقديس في بعض وسائل الإعلام، بينما يتم التغاضي عن المجازر التي تُرتكب بحق الأبرياء. بعض النخب اليسارية، والقومية، والإسلاموية، تتواطأ مع هذه الأجندات بدافع الحقد على حكم البعث وآل الأسد، لكنها في الواقع تسهم في تدمير سوريا.

نعم، يجب تقديم كل بقايا النظام المجرم إلى المحاكم، لكن دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة لتسويغ انتهاكات جديدة. ما فعلته الفصائل الإجرامية في المناطق الكردية من نهب وجرائم في عفرين، سري كانيي، وتل أبيض، يتكرر الآن في الساحل، بالأدوات ذاتها و بالوحشية. ذاتها

مؤكد أن هناك أيضاً من يحاول جر الكرد إلى هذه المعادلة، عبر نشر الأكاذيب عن علاقتهم بما يجري في الساحل. إنها محاولة لتجهيزهم ليكونوا الضحية التالية، بعد أن فشلت المخططات السابقة ضدهم في السويداء.

البئر والغطاس

أعتز بأنني، منذ اليوم الأول، ابتهجت واحتفلت بسقوط آلة النظام البعثي الأسدي المجرم، لكنني لم أنسَ أن أسجل حذري وملاحظاتي على أدوات الإسقاط. كنتُ مع قلة نادرة ممن اختاروا السباحة عكس التيار، بينما كان عشرات ممن حولي يحاولون إقناعي بأنني مخطئ، مرددين وعوداً زائفة: “الجولاني مجرد مرحلة عابرة، وسيسلم البلد لديمقراطيين!” لكن الأيام كشفت زيف تلك الادعاءات، والآن، يعود معظم هؤلاء أدراجهم بعد أن رأوا بأعينهم المصير الذي حذرتُ منه منذ البداية، والذي لم يكن إلا انزلاقاً إلى ظلام أشد.

سوريا بين العقل والفوضى

من نصب الكمين لعناصر “الحكومة” يجب تقديمه إلى المحاكمة، لكن ما يحدث اليوم ليس محاسبة عادلة، بل تطهير طائفي. على السوريين أن يدركوا أن التعويل على القوى الخارجية لن يجلب لهم سوى مزيد من الدمار. جميع القوى الإقليمية والدولية – من تركيا وإيران وروسيا وأمريكا وحتى إسرائيل – لا يهمها سوى مصالحها. لا أحد منهم يكترث إذا دُمرت سوريا” بالكامل”، طالما أن مكاسبهم مضمونة، في الوقت الذي تحتفل دول مغرضة: تركيا قطر إيران بإيصال سوريا إلى هذا المصير التراجيدي.

إن الحل الوحيد هو الاحتكام إلى العقل، ورفض منطق الانتقام والتصفية العرقية. هذه رسالة إلى أولي الأمر في دمشق، ليتراجعوا عن أخطائهم، ويعيدوا سوريا إلى مسارها الصحيح. البلاد لن تستقر إذا استمرت دوامة القتل، والميليشيات الإجرامية لن تبقى إلى الأبد. سوريا ستبقى لشرفائها، مهما حاول المرتزقة تقسيمها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زار وفد من المنظمة الآثورية الديمقراطية ضم السيد كبرئيل موشي مسؤول المنظمة والسيد بشير سعدي نائب المسؤول، والسيد ريمون يوخنا عضو الأمانة العامة، مكتب المجلس الوطني الكردي في دمشق، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق المشترك. وكان في استقبال الوفد الأستاذ نعمت داوود، عضو هيئة رئاسة المجلس، والأستاذ لقمان أوسو، رئيس محلية دمشق، حيث بحث الجانبان لقاء رئاسة المجلس مع…

شارك وفدٌ من ممثلية أوروباللمجلس الوطني الكردي في سوريا في إحياء الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد المناضل نصرالدين برهك عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وضمّ الوفد كلاً من السيد عبد الكريم حاجي رئيس ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا، إلى جانب وفدٍ من مكتب العلاقات شمل كلاً من كاميران خلف برو مسؤول مكتب العلاقات، وجنكيدار محمد، وباران درباس….

عبدو خليل Abdo Khalil أواخر صيف عام 2012 كنت قد لجأت للقرية هربا من مخاطر الاعتقال.. كانت المنطقة سلمت بالكامل من قبل النظام السوري للعمال الكردستاني ولم يتبقى سوى بعض عناصر الأمن المكلفين بالمراقبة عن بعد.. جاء يوم َرفع فيه فتية وفتيات قريتنا نازواوشاغي علم الثورة فوق مسجد القرية.. سرعان ما أصاب الذعر زعران قنديل.. نزلوا العلم وتوعدوا أهل القرية…..

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…