تفكيك الأمة باسم ما بعد القومية

وَلات أَسَن *

نظرًا إلى أنّ الكرد ما زالوا أمةً بلا دولة معترف بها دوليًا، فإن تبنّي مشروع “الأمة الديمقراطية” يؤدّي عمليًا إلى تذويبهم داخل الدول التي اقتُسمت عليها كردستان. وعليه، يمثّل خطّ أوجلان الذراع الأيديولوجية لمشروع دولتي بنيوي، يهدف إلى نزع الصفة القومية عن الكرد وإفراغ قضيتهم من مضمونها التحرّري.

إن جوهر هذا المشروع لا يقوم على تحرير الشعب الكردي أو الاعتراف بوجوده القومي، بل على تفكيكه وإذابته بصورة منهجية. فالاستراتيجية المعتمدة ليست سوى تحديث لسياسات الإنكار التقليدية، عبر تحويل الكرد من ذاتٍ سياسية جماعية إلى أفراد معزولين، منزوعي التاريخ، ومجرّدين من أي وعي قومي جامع.

في هذا السياق، يجري تفريغ مفاهيم مثل الأمة، والحقوق القومية، وتقرير المصير، والسيادة من مضمونها السياسي، أو شيطنتها بشكل متعمّد. ويُستعاض عنها بخطاب ضبابي يدور حول “المجتمع الديمقراطي” و“المواطنة المجرّدة” و“ما بعد القومية”. ورغم مظهره النقدي للدولة، فإن هذا الخطاب يؤدّي عمليًا إلى إنكار حق الكرد في الوجود كأمة، ويحوّلهم إلى مكوّن قابل للاحتواء داخل بنية الدولة القائمة.

والنتيجة السياسية لذلك واضحة: لا يُعترف بالكرد كأمة، ولا يُسمح لهم بالتشكّل كمجتمع سياسي مستقل. بل تُختزل هويتهم في بعدٍ ثقافي فولكلوري فردي، في حين تُجرَّم المطالب القومية الجماعية، وتُوصم بأنها “انفصالية” أو “قوموية متخلّفة”. إننا إزاء نموذج متقدّم من التصفية القومية، يوفّر غطاءً نظريًا ناعمًا لسياسات الصهر التي تعتمدها الدول الحديثة.

وعليه، فإن هذا الخطّ لا يشكّل بديلًا عن النضال القومي الكردي، بل أداةً لتعطيله وتفريغه من مضمونه التاريخي، وإعادة مواءمته مع المنظومة الأيديولوجية للدولة. ومن هنا، لا تخدم هذه المقاربة تحرّر الكرد، بل تساهم بصورة مباشرة في تفكيكهم كأمة، وإلغاء مشروعهم القومي.

————————————————–

* باحث وناشط سياسي، من شمال كردستان

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…

محمود أوسو الإيزيديون هم شعب كردي أصيل، موحدون يؤمنون بإله واحد. عاشوا آلاف السنين في جبال كردستان: شنكال، دهوك، الموصل، ديار بكر، عفرين. تاريخهم كتب بالدم، لأنهم دفعوا ثمن إيمانهم 74 مرة على الأقل. أغلب هذه الفرمانات جاءت باسم الدين الأسلامي في زمن الفتوحات عياض بن غنم وما بعدها مع وصول الجيوش الإسلامية إلى كردستان في عهد عمر بن الخطاب،…

د. محمود عباس من كوردستان في ذاكرة الطفل إلى كوردستان في عتمة السياسة طوال قرن كامل، جرّب الحراك الكوردستاني تقريبًا كل لغة سياسية ممكنة لإقناع الدول التي اقتسمت كوردستان بأن الشعب الكوردي ليس ضيفًا على أرضه، ولا أقل شأنًا من الشعوب التي أُنشئت لها دول وحدود وحكومات. تحدّث الكورد عن الأخوّة، والمواطنة، والوطنية المشتركة، والديمقراطية، واللامركزية، والفيدرالية، وتقاسم السلطة، وبناء…