بين ضرورة الإصلاح ومخاوف التفكك في سوريا

د. محمود عباس

 

النظام الفيدرالي واللامركزية بين الإنقاذ الوطني ومخاوف الاستبداد الديني.

 اللامركزية الإدارية والسياسية وحدها ليست كافية لإنقاذ سوريا من دوامة التدهور السياسي والاقتصادي والأمني، بل إن النظام الفيدرالي هو الحل الأكثر فاعلية لبناء دولة عادلة ومتوازنة، قادرة على تجاوز عقود من الإقصاء والتهميش الذي عانت منه المكونات القومية والإثنية، وفي مقدمتها الكورد.

 هذا النموذج يمنح الأقاليم والمجتمعات المتنوعة قدرةً أكبر على إدارة شؤونها بحرية، ويضمن توزيعًا عادلًا للسلطة والثروة، بدلاً من تركيزهما في يد نخبة ضيقة تتحكم بمصير البلاد وفقًا لأهوائها، بل سيكون العامل الأهم في نهضة الوطن.

تحت قبضة النظام المركزي، خضعت الأقليات والمناطق الطرفية لسياسات التهميش الممنهج، مما أدى إلى تفاقم الفجوة التنموية والتمثيلية، وتكريس الشعور بالغبن لدى شرائح واسعة من السوريين. واليوم، مع تصاعد النزعات الاستبدادية، واتجاه القوى المتحكمة إلى بناء نظام سياسي قائم على تفسير ديني متشدد، فإن خطر إعادة إنتاج الدكتاتورية في ثوب إسلامي سياسي أصبح أكثر تهديدًا من أي وقت مضى. فالنظام المركزي، حين يُغلّف بأيديولوجيا دينية، يصبح أشد بطشًا، حيث يستخدم الدين كأداة لقمع المخالفين وترهيب المعارضين، مما يفتح الباب أمام استبداد جديد أكثر قسوة من سابقه.

على النقيض، فإن اللامركزية والفيدرالية كانتا على مدار التاريخ النموذج الأكثر استدامة للحكم في الدول والإمبراطوريات الحضارية، والدول المتطورة حاليا، بل أن قرابة 70% من دول العالم وتسع من اكبر دول العالم تطبق هذا النظام، حيث تتيحان تحقيق التوازن السياسي والاجتماعي، وتؤسسان لشراكة حقيقية بين المكونات المختلفة. ومع انهيار البنى السياسية والاجتماعية السورية إثر الحرب، بات تبني هذا النموذج ضرورة حتمية، وليس مجرد خيار سياسي مطروح للنقاش.

إلا أن المعارضين لهذا الطرح، خصوصًا القوى القومية المتشددة التي تختبئ تحت عباءة الدين، يروجون لفكرة أن الفيدرالية ستؤدي إلى تقسيم البلاد، وهو ادعاء يستند إلى مخاوف متجذرة من عهود النظام البائد، وليس إلى قراءة عقلانية للتجارب الفيدرالية الناجحة عالميًا. كما أن شريحةً واسعة ترفض الفيدرالية إما لجهلها بطبيعة هذا النظام، أو استجابةً لإملاءات خارجية، وعلى رأسها تركيا، التي تخشى أن يشكل نجاح النموذج الفيدرالي في سوريا سابقة قد تمتد إلى داخلها، مما يهدد هيمنة نظامها القومي المتشدد.

الجدل الدائر حول الفيدرالية يكشف عمق التناقضات في الثقافة السياسية والاجتماعية السورية، حيث يُنظر إليها باعتبارها تهديدًا، في حين أنها في الحقيقة السبيل الوحيد لبناء دولة مستقرة ومتعددة الأطياف. غير أن نجاح هذا المشروع يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ودستورًا يضمن حقوق الجميع، بدلًا من إعادة إنتاج المركزية بواجهة جديدة.

السؤال الجوهري هو: هل ستتبنى القوى السياسية السورية هذا النموذج بجدية، أم أن الصراع على السلطة سيبقي سوريا رهينة للمركزية القسرية، وربما تحت حكم ديني شمولي ربما لا يقل استبدادًا من النظام البعثي السابق؟

إن أسوأ سيناريو قد تواجهه البلاد هو تطبيق اللامركزية تحت سلطة إسلامية متطرفة، حيث يُستخدم الدين كأداة لشرعنة الاستبداد، وترهيب المعارضين، وإقصاء المكونات غير المنسجمة مع رؤى الحاكمين الجدد.

إقناع المعارضين والمتخوفين وبينهم الحكومة السورية بتبني الفيدرالية يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين الضغوط السياسية، والمكاسب الاقتصادية، والتوازنات الإقليمية، والدولية. في ظل تعنت بعض القوى السورية وخاصة السنية العربية، يمكن تقديم الفيدرالية ليس كتهديد لوحدة الدولة، بل كخيار واقعي لضمان استقرار البلاد، وإعادة الثقة بين مكوناتها، وبناء وطن حقيقي يتسع للجميع.

النظام المركزي القائم على الهيمنة والإقصاء لم يعد قابلًا للاستمرار، وعلى القوى السياسية السورية أن تدرك أن البلاد تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، إما أن تتبنى نموذجًا ديمقراطيًا تعدديًا يعيد التوازن والعدالة إلى الحكم، أو أن تظل عالقة في مستنقع الاستبداد والفوضى، مما يكرّس إعادة إنتاج الديكتاتورية بصيغ جديدة، قد لا تكون أقل قمعًا من سابقتها.

المفارقة العجيبة أن الخطاب الذي يرفع شعار محاربة النظام السابق، هو ذاته الذي يعيد إحياء ثقافته السياسية والاجتماعية، ربما دون إدراك، وربما عن سابق إصرار، وكأن المشكلة لم تكن في النظام نفسه، بل فيمن يعتلي كرسي الحكم. فكيف يمكن تفسير الإصرار على تبني ذات النهج المركزي الاستبدادي، بعد كل هذه التضحيات، وكأن الثورة لم تكن سوى تغيير في الوجوه، لا في البنية العميقة للسلطة وآلياتها؟

إن الاستمرار في هذا النهج لا يعني سوى إعادة إنتاج الاستبداد تحت مسميات جديدة، مع تغيير بعض الشعارات، بينما يبقى جوهر القمع والإقصاء على حاله. فهل يتعلم السوريون من دروس الماضي، أم أنهم محكومون بتكراره إلى ما لا نهاية؟

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com

6/3/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…