النقد بين الممارسة والاتهام

شكري بكر
كثيرون من الكُرد، عبر صفحات التواصل الاجتماعي، يوجهون انتقادات لاذعة، وأحيانا جارحة، للحركة التحررية الكردية في سوريا. يمكنني القول هنا إنه قبل توجيه أي انتقاد لقادة الأحزاب الكردية بسبب عدم تبنيها لمشاريع سياسية شفافة وواضحة، وعدم امتلاكها برامج سياسية تطالب فيها بالحقوق المشروعة للشعب الكردي في سوريا، كحقه في تقرير المصير، يجب أن أسأل نفسي أولًا: ما الذي أريده؟ ما هو لي، وما هو عليّ؟
لو أردنا أن نخوض نقاشًا حول البرامج السياسية لأحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، لرأينا أن الحراك الحزبي الكردي في سوريا ينقسم إلى ثلاثة تيارات:
  1. المجلس الوطني الكردي، الذي يمتلك برنامجا سياسيًا يطالب بإشاعة الديمقراطية في سوريا، ويطرح الفيدرالية كحل لإقليم كردستان سوريا.
  2. مجلس سوريا الديمقراطية ومن لفّ لفّه من أحزاب الوحدة الوطنية الكردية، وهذا التيار لا يمتلك برنامجا سياسيا واضحا يحدد رؤيته لحل القضية الكردية في سوريا المستقبل. جلّ ما يطرحه هو الاعتراف بالإدارة الذاتية التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني في تركيا. كما سبق أن طرح هذا التيار أطروحات أخرى، مثل “أخوة الشعوب” و”نظرية الأمة الديمقراطية”، وفي الآونة الأخيرة، قدم مشروع “إقامة الدولة المختلطة”. جميع هذه الطروحات غامضة ولا تحمل أي خصوصية تتعلق بالقضية الكردية في سوريا.
  3. أحزاب وحركات متناثرة هنا وهناك، لا يجمعها أي مشروع سياسي أو تنظيمي مشترك، وتتباين مطالبها؛ فمنها من يطالب بحق تقرير المصير، وأخرى تكتفي بالمطالبة ببعض الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية. وأعتقد أن زمن هذه المطالب قد ولّى، خاصة بعد سقوط النظام الذي مُني به على يد هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع، والتي لم تدم سوى أحد عشر يوما. وهناك أيضًا أطراف غير واضحة الموقف تمامًا تجاه الحقوق المشروعة للشعب الكردي في سوريا، رغم وجود قرارات أممية تضمن حق الأمم في تقرير مصيرها.
هذه هي الحقيقة السياسية والفكرية والتنظيمية للحركة التحررية الكردية في سوريا اليوم. هناك من يحاول تقزيم الحقوق المشروعة للشعب الكردي، الذي يعيش على أرضه التاريخية في الجزء الكردستاني الملحق بالدولة السورية، وتحويل قضيته إلى قضية أقلية قومية دخيلة، وهذا ما كان يفعله النظام الأسدي البائد.
أخيرًا، أقول: على كل فرد من المجتمع الكردي أن يتعرف على قضيته عن قرب، ويدرك ما له وما عليه، كي نتمكن من إيصال سفينة القضية الكردية إلى برّ الأمان والاستقرار، وانتزاع الحق في تقرير المصير، بغضّ النظر عن طبيعة المرحلة السياسية أو النظام الذي سيدير الدولة السورية راهنا أو مستقبلا.
النقد ممارسة صحية، لكنه يصبح اتهاما باطلا إذا لم يكن قائما على حقائق. لذا، يجب علينا التمييز جيدا بين النقد الموضوعي والاتهام الذي لا يستند إلى الواقع.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…

ماجد ع محمد إذا ما صدق موقع “أكسيوس” بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختارت رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ليكون قناة خلفية للتواصل مباشرة مع قيادة “الحرس الثوري” الإيراني، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات المفاوضين الإيرانيين لإبرام اتفاق ينهي الحرب. فهذا يعني بأن بارزاني حلقة وصل مهمة وفاعل خير وليس محضر شر، وفي العرف الإنساني يُكافأ فاعل…

عبد الجابر حبيب لا أعتقد أن المشكلة في أن ننتقد صلاح الدين أو نعيد قراءة دوره في التاريخ، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى التاريخ بعين اليوم، ثم نحاكم شخصيات الماضي وفق مفاهيم سياسية وقومية لم تكن موجودة في زمنها. من يقول إن صلاح الدين قصر بحق الكورد، وخدم غير هم، ولم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية،…

صلاح بدرالدين قبل مائة عام بدأت معالم هذه المدينة بالظهور مع تواجد حامية الانتداب الفرنسي على التلة المقابلة لمدينة نصيبين – التركية – ووضع المهندسون الفرنسييون الخرائط ، واللبنة الأولى لبناء مدينة على نهر – جقجق – المتدفق من ينابيع وادي – بونصرا – قبل تغيير مجراه – في ولاية ماردين بكردستان تركيا . هناك في المنطقة الكردية السورية وأطرافها…