المؤتمر الكردي السوري مصدر شرعية التمثيل ( ١٧ )

صلاح بدرالدين
إعادة انتاج القديم في الحالة الكردية تكرار للخطأ
هناك من  يستمر في قراءة الوضع السوري والتعامل معه على الصعيد السياسي كما كان قبل التحرير ، أي تجاهل سقوط نظام الاستبداد ،  عندما كان يتم الانتقال من حضن إقليمي ودولي الى آخر ، حيث كان العالم يغض الطرف ، واحيانا يشجع الانقسامات ، ويدعم سلطات الامر الواقع  بسبب وجود نظام معزول آيل للسقوط ، اما الان فقد وقع الزلزال السوري البناء ، وتم الانتقال الى أجواء الحرية بعد اكثر من نصف قرن من المعاناة ، والعذابات ، وتنفس السورييون الصعداء ، وبالرغم من قصر المدة بدأ المجتمع الدولي ، والمحيط الإقليمي والعربي يستقبل العهد الجديد بمزيد من الامال ، ويعمل على رفع العقوبات وإعادة بناء العلاقات الدبلوماسية ، وتقديم الدعم الاقتصادي والتحضير للمساهمة في إعادة اعمار ماتهدم  ، الى جانب ذلك وياللمفارقة هناك من يسعى لادامة الحالة الكردية السورية كما كانت سابقا دون تغيير وذلك بمواصلة سياسة – الثنائية – الحزبية من جانب طرفي ( الاستعصاء ) ، والتبعية للمحاور الخارجية ، تلك السياسة التي اختبرها الكرد السورييون لاكثر من عقد ،  وعانوا من نتائجها الكارثية ، وانعكاساتها السلبية ، على الوجود الكردي ، وعلى حضور حركتهم السياسية التي تعرضت للانقسام ، والتبعية .
الطريق الى دمشق غير سالك
  واذا كانت أحزاب طرفي ( الاستعصاء ) تكاد تحصر هدف تقارب الثنائي ، واتفاقهما ، من اجل التوجه الى دمشق بوفد ( حزبي ) موحد ، والتفاوض مع الإدارة الجديدة باسم الكرد السوريين ! ، فان المسعى هذا لن يكون سهل المنال لسببين : الأول – عدم الحصول على التخويل الشعبي الكردي العام لرفض المشاركة في المؤتمر الكردي السوري الجامع الذي يدعو اليه حراك ” بزاف ” منذ أعوام ، وكذلك قطاعات أخرى من النخب الكردية ، والثاني – القرار الأخير الصادر بتاريخ ٢٩ من الشهر الجاري عن مؤتمر النصر الذي عقد بدمشق ونصه : (  تحل جميع الفصائل العسكرية، والأجسام الثورية السياسية والمدنية والخدمية ، وتدمج في مؤسسات الدولة.) والترجمة الفعلية لهذا القرار حل – قسد ومسد و ب ي د – وجميع مؤسسات الإدارة الذاتية ، وكذلك الحال مع كل أحزاب – المجلس الوطني الكردي ، والمنظمات التابعة لها ، مع قرارات أخرى طالت البنية السياسية التحتية للنظام المنهار – أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية ، وحزب البعث العربي الاشتراكي ، ومجلس الشعب ، وجميع الفصائل المسلحة ، والجيش السوري السابق .
ذرائع غير مقبولة
  وفي سياق متصل مازالت – قسد – تمانع  تسليم السلاح ومناطق نفوذها  لدمشق  مشترطة  انتهاء المرحلة الانتقالية ، وتشكيل الحكومة ، وانتخاب البرلمان ، وهي مطالب حقة قد تكون مقبولة اذا صدرت من جهة وطنية سورية معارضة ومع الثورة السورية ، ولكنها باطلة عندما تصدر من هذه الجهة ، فقد سبق ان انتهجت جماعات – ب ك ك – العسكرية منذ عام ٢٠١٢ الموقف ذاته مع الثورة السورية ، ومعلوم ان قسد وقبلها – ب ي د – وقفوا ضد الثورة السورية حتى قبل انحراف بعض فصائلها ، ووقفوا الى جانب النظام ، كما لم يساهموا على الاطلاق في عملية اسقاط النظام في الثامن من ديسمبر من العام المنصرم من جهة أخرى فان – قسد – وتشكيلاتها السياسية والعسكرية لم تتشكل من خلال انتخابات حرة باجواء ديموقراطية ، في مناطق  نفوذها باالمحافظات الثلاث ( الحسكة – دير الزور – الرقة ) ، بل فرضت سلطتها بقوة السلاح على الكرد وغيرهم ، واخضعت المختلفين معها فكريا وسياسيا بادوات القمع ، لذلك فهي آخر من يحق لها التمسك بتلك الحجج الواهية .
   لن يتقبل الكرد السورييون ، بل لن يتحملوا مرة أخرى دفع اثمان مغامرات أحزاب وجماعات عسكريتارية لاتضع مصالحهم في حسابات الربح والخسارة ضمن موازين قوى ليست في صالح طموحاتها الذاتية الضيقة ، ومن الظلم والمجحف بحق الكرد السوريين ان يتم دفعهم وبدون إرادة غالبيتهم الساحقة ليكونوا عقبة او عامل ردة امام تحقيق الإنجازات الوطنية بعد اسقاط المنظومة الأمنية المتسلطة لاكثر من نصف قرن ، فالحركة الوطنية الكردية السورية كانت منذ نشوئها لنحو مائة عام من احد الدعائم الوطنية الصلدة ، التي لن تستطيع اية قوة تجاهلها ، والقفز فوق أهدافها ومطالبها المشروعة في انتزاع الحقوق ، او الغاء موقعها التشاركي البناء على الصعيدين القومي والوطني السوري ، ولكن بكل اسف فان من يتصدر الان المشهد الحزبي الكردي اخطأوا التقدير ، بل تسببوا في حرمان الكرد السوريين من المشاركة الفعلية ، حيث يمر الوقت ، وتبنى المؤسسات الوطنية بغياب كردي واضح ، ففي ظل الفوضى السائدة منحت أحزاب طرفي ( الاستعصاء )  مجالا لتذرع البعض من التيارات السائدة ، واوساط شوفينية معينة لوضع اللائمة على الكرد من جديد .
توحيد الحركة الكردية السورية  ليس بحسابات الطرفين
  ان الثنائي الحزبي والمقصود  طرفا ( الاستعصاء ) ب ي د – ب د ك – س ، في عجز تام ، وفي طريق مسدود ، وسقطا في امتحان – الاتفاق الكردي – منذ عشرة أعوام ، والان لايمكنهما القيام بخطوة دون موافقة مراجعهما خارج سوريا ولها كما هو معلوم مصالح خاصة ليس بالضرورة ان تتطابق مع مصالح الشعب الكردي السوري بكل جوانبها في هذه المرحلة بالذات ، وعلى ضوء الاصطفافات ، والمحاور الإقليمية ، والكردستانية ، والتطورات المرتقبة حصولها بين الحكومة التركية ، وزعيم – ب ك ك – السيد عبدالله اوجلان ، والتطورات الحاصلة منذ عدة اشهر ، من شانها تغيير المسارات الراهنة التي تراهن عليها الأحزاب ، ولكن ستبقى إرادة الغالبية الكردية السورية الهادفة الى توحيد الحركة واستعادة شرعيتها ، وتعميق بعدها الوطني السوري مابعد التحرير عبر المؤتمر الجامع هي الخيار الواقعي الأمثل .
حالة المكابرة
  حتى الان أحزاب طرفي ( الاستعصاء ) في حالة مكابرة ، وعدم اعتراف بالواقع ، فهي لم تعترف بشكل موثق سقوط اتفاقيات أربيل ودهوك ، ووضرورة البحث عن البديل وهو كما نكرر مشروع حراك ” بزاف ” وان الحركة السياسية الكردية السورية في ازمة متفاقمة ، ومنقسمة ، ومفككة ، وان ذلك انعكس على مختلف الفئات ، والقطاعات الشعبية ، والمثقفة ، والإعلامية في المجتمع الكردي ، وان الوطنيين المستقلين هم الغالبية الساحقة في الداخل والخارج بل يشكلون الكتلة التاريخية المنقذة ، ان حالة الانكار هذه لن تجلب سوى الخراب ، والعواقب الوخيمة على القضيتين القومية ، والوطنية .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…