الكورد والدولة السورية: من المشاركة إلى الإقصاء… تاريخ على هامش الوطن

ماهين شيخاني

تمهيد:

منذ اللحظة الأولى لولادة الدولة السورية الحديثة، وقف الكورد إلى جانب شعبها في مقاومة الاستعمار الفرنسي والمساهمة في بناء مؤسساتها. إلا أن ما بدا في البداية وعدًا بوطن مشترك، سرعان ما تحوّل إلى عقد من طرف واحد، تتحكّم به هوية قومية واحدة لا تعترف بغيرها.

فهل كانت سوريا وطنًا لكل أبنائها؟ أم أن الكورد ظلّوا غرباء في بلادهم، لا لشيء سوى لأنهم تجرأوا على الحفاظ على لغتهم وذاكرتهم الجمعية؟

الكورد في فجر الاستقلال: وطنية دون اعتراف

بعد نيل سوريا استقلالها عام 1946، لم يتأخر الكورد في الانخراط في الحياة العامة، فساهموا في النقابات، والأحزاب، والحراك الوطني. وكان من أبرز رموزهم في تلك المرحلة:

الدكتور نور الدين ظاظا، أحد مؤسسي أول حزب كوردي سوري (البارتي)، وصاحب مساهمة فكرية كبيرة في صياغة الخطاب السياسي الكردي المعاصر.

أوصمان صبري ،ابراهيم هنانو…والشاعر جكرخوين، المناضل الكوردي، كان صوتًا ثائرًا من خارج المؤسسات الرسمية، حمل الشعر سلاحًا، والكلمة راية.
لكن هذه المساهمة لم تجد ترجمتها في الدساتير أو القوانين. بل بقي الكورد محرومين من أي اعتراف رسمي بلغتهم أو حقوقهم الثقافية.

الإحصاء الاستثنائي عام 1962: عندما أصبحت المواطنة ورقة

في خريف عام 1962، شهدت محافظة الحسكة واحدة من أكثر السياسات التمييزية فجاجةً، حين أُجري “إحصاء استثنائي” جُرّد بموجبه أكثر من 120 ألف كوردي من جنسيتهم، لمجرد عدم قدرتهم على إثبات وجودهم في سوريا قبل عام 1945، في خطوة سياسية مقصودة لسلخهم عن وطنهم.

تحوّل هؤلاء إلى “أجانب” و”مكتومي القيد”، لا يملكون حق العمل، أو التملك، أو حتى الزواج القانوني في كثير من الأحيان. ورُسّخ بذلك التهميش على أسس قانونية.

البعث: جمهورية قومية لا تحتمل التعدد

جاء انقلاب 1963 ليُدخل البلاد مرحلة جديدة من الأحادية القومية. فحُصرت الهوية السورية بالعروبة، وتم تغييب باقي القوميات، وعلى رأسها الكورد.
منعت الدولة التعليم بالكوردية، وغيّرت أسماء القرى الكوردية، ونفّذت مشروع الحزام العربي، وهو مخطط ديمغرافي هدفه تغيير هوية المناطق الكوردية على طول الحدود مع تركيا والعراق.

أُغلقت الصحف، وطورد الناشطون، واختنق كل نفس كوردي خارج عباءة السلطة.

من السياسة إلى المقاومة الثقافية

مع الانغلاق التام في الحياة السياسية، انتقل النشاط الكوردي إلى مستويات أخرى، فبدأت المقاومة تتخذ أشكالًا ثقافية وتنظيمية سرّية. ظهرت أحزاب تنشط تحت الأرض، وأطلقت مجلات غير مرخصة، وتكوّنت نخب شبابية تمسكت بلغتها وهويتها رغم الحصار.

الثقافة هنا كانت الفعل السياسي الحقيقي، والبقاء كان بحد ذاته مقاومة.

بين وعد الانفتاح وقمع القامشلي 2004

مع مطلع الألفية، وفي ظل خطاب “الإصلاح والتحديث” الذي رفعه بشار الأسد، ظنّ كثيرون أن مرحلة جديدة بدأت. لكن سرعان ما جاءت انتفاضة القامشلي في آذار 2004 لتكشف زيف الشعارات.

تظاهرات سلمية بدأت بعد مباراة لكرة القدم، سرعان ما تحوّلت إلى احتجاجات شعبية واسعة، قابلتها السلطة بالعنف والقمع والاعتقالات الجماعية، ليتأكد الكورد أن لا شيء تغيّر.

بعد 2011: من الإقصاء إلى الحضور السياسي

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انخرط الكورد في الحراك الشعبي، وسرعان ما شكّلوا نموذجًا إداريًا خاصًا في شمال وشرق سوريا، عُرف لاحقًا بـ”الإدارة الذاتية الديمقراطية”.

ظهرت مؤسسات محلية، ومجالس تشريعية، وقوات حماية، واستعادت اللغة الكوردية مكانتها في المدارس.
لكن رغم كل ذلك، بقي الاعتراف الدولي والعربي بهذا النموذج محدودًا، ووجد الكورد أنفسهم تحت ضغط تركيا، وابتزاز النظام، وتجاهل أطراف في المعارضة.

خاتمة: الكورد ليسوا أدوات مؤقتة… بل شركاء دائمون

عبر تاريخهم في سوريا، لم ينحنِ الكورد إلا لقناعاتهم. لم يركضوا خلف السلطة، ولم يطلبوا امتيازات، بل نادوا فقط بالعدالة والمساواة والاعتراف بهويتهم.

سوريا المستقبل لا يمكن أن تكون دولةً قابلة للحياة إن لم تضمّ كل مكوناتها على قاعدة الشراكة والاحترام المتبادل.
ومن دون دستور يضمن الحقوق، ومجتمع يعترف بالتعدد، لن تكون هناك وحدة… بل مجرد وهم هشّ سرعان ما يتهاوى مع أول ريح.

فهل آن الأوان لنكتب تاريخًا جديدًا؟ لا على هامش الوطن… بل في قلبه؟

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الأفاضل: نتحدث عن الخيمة، والخيمة مسكن كوجري أو بدوي، يسهل بناؤه، وكذلك نقله في ساعات قليلة، وهي أفضل مسكن لمواجهة الزلازل مهما بلغت قوتها، فالأضرار فيها شبه معدومة. وللخيمة نماذج متعددة: المضافة، وخيمة العزاء، وخيمة الفرح، وخيمة العمال، وخيمة الخدم… ويذكرنا التاريخ بخيمة إبراهيم باشا الملي، التي كانت مقر قيادة الإمارة التي امتدت سلطتها من دير…

أكرم محمد يُمثل التناقض الجذري بين الفكر القومي الكردي التحرري (الكوردايتي) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي أحد أعمق الشروخ البنيوية التي أصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا؛ حيث يرى الخطاب القومي التاريخي والمعاصر أن هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخياً، وعبر أدوات ناعمة وخشنة، كابحاً حقيقياً وعائقاً وجودياً أمام تحقيق الطموح القومي الأسمى المتمثل في بناء دولة…

خالد حسو اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل بين الناس، بل هي وعاء الذاكرة الجماعية، وخزان التاريخ، والمرآة التي تعكس هوية الشعوب وثقافتها وحضارتها. فكل أمة تحافظ على لغتها إنما تحافظ على وجودها، لأن فقدان اللغة يعني فقدان جزء أساسي من الذاكرة والخصوصية والانتماء. تحتل اللغة الكوردية مكانة عميقة في وجدان الشعب الكوردي، فهي ليست فقط كلمات وجملاً نتبادلها، بل هي…

مهند محمود شوقي على مدى سنوات، اتجه اقتصاد إقليم كوردستان بصورة متزايدة نحو القطاع الخاص، الذي لعب دورًا مهمًا في تعويض النقص في الخدمات والاستثمار خلال مراحل مختلفة. إلا أن هذا التوسع، في بعض القطاعات، ترافق مع اختلالات في السوق، تمثلت في ارتفاع الأسعار، وضعف المنافسة، وظهور حالات احتكار أرهقت المواطن، خاصة في الخدمات الأساسية التي تمس حياته اليومية. منذ…