الشعب الكردي السوري امام تحديات مصيرية*

صلاح بدرالدين

 

 

بعد سقوط نظام الاستبداد في الثامن من كانون اول / ديسمبر الماضي، وبزوغ فجر الحرية بعد اكثر من خمسين عاما من الدكتاتورية، انتقل الشعب السوري الى مرحلة جديدة ومن ضمنهم الكرد الذين عانوا الاضطهاد، وصنوف القمع والحرمان من الحقوق اكثر من غيرهم،  حيث ان المنطلقات النظرية لحزب البعث الحاكم بنيت على: ١ – تجاهل الوجود الكردي كشعب مقيم على ارض الإباء والاجداد ومن سكان المنطقة الأصليين، واعتبارهم – جاليات – مهاجرة شبيهة بالجاليات العربية في أوروبا كما جاء في مجلة البعث النظرية – المناضل – في عدد صيف ١٩٦٦، وكذلك في مجمل خطابات وكتابات منظر البعث – ميشيل عفلق – . ٢ – سياسة التعريب والتهجير، وتغيير التركيب الديموغرافي بحسب مخطط الإحصاء والحزام كما جاء في تقرير الضابط الأمني البعثي – محمد طلب هلال – . ٣ – وحصل في كردستان  العراق اكثر من ذلك عندما تم ضرب – حلبجة – بالكيمياوي.

  من المعلوم ان الموقف العنصري لحزب البعث الذي حكم اكثر من خمسين عاما تجاه الكرد السوريين يشكل جزء أساسيا من جملة مواقف النظام الاستبدادية الاجرامية  تجاه الشعب السوري برمته، والتي ظهرت المعارضة، وقامت الثورة من اجل انهاء تلك المواقف، والسياسات، والممارسات، واجراء التغيير الديموقراطي، وإعادة الحكم للشعب في ظل نظام سياسي تعددي تشاركي يزيل الغبن عن جميع المكونات، ويستجيب للحقوق والطموحات المشروعة، ويعيد لسوريا دورها الطبيعي في البناء والسلام.

 نعم اطلت المرحلة الجديدة والحركة السياسية الكردية في أسوأ احوالها، تعاني التفكك، والانقسام، والصراعات البينية، والأخطر من كل ذلك تفتقر الى رؤى موحدة، وبرنامج سياسي واحد، والى الاستقلالية في اتخاذ القرار.

والان وفي هذه المرحلة ما بعد الاستبداد، وفي ظل عهد الحرية تتضاعف أهمية إعادة بناء، ووحدة الحركة السياسية الكردية من خلال مشروع عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع، من اجل تحقيق الاجماع الوطني الكردي، وإيجاد التمثيل الشرعي المنتخب، وإنقاذ الكرد وحركتهم السياسية من قبضة التدخلات الخارجية، وقطع الطريق على استثمار الملف الكردي لصالح الجهات المعادية لسوريا الوطن والشعب، والقدرة على التفاهم مع العهد الجديد في دمشق، لأننا كسوريين وانطلاقا من مصالح وطننا الواحد نستطيع الاتفاق عبر الحوار من دون وسطاء أجانب، او اوصياء غير سوريين.

 

مشروعان في الساحة الكردية السورية

  كانت أحزاب  الطرفين (الاتحاد الديموقراطي والمجلس الوطني الكردي) وما بينهما وطوال أربعة عشر عاما تتمايل بين المعارضة والموالاة، وتسعى في الغالب للتقرب من نظام الاستبداد، والتفاهم معه لأسبابها المصلحية الحزبية، وليس انطلاقا من مصالح وطموحات الغالبية الساحقة من الكرد السوريين، الا ان سقط نظام الاستبداد، وتفاجأت الاحزاب الكردية بارتباك واضح لان جميع منافذ التواصل معه أغلقت على حين غرة، ولانعدام اية صلة لها بعملية التحرير بالرغم من ادعاءاتها الباطلة انها تمثل الإرادة الكردية السورية التي كانت بكل طاقتها مع اسقاط النظام، وتعاطف واضح مع المحررين الذين انجزوا الهدف الرئيسي للثورة السورية .

  منذ بداية الازمة طرح حراك ” بزاف ” مشروعه لإعادة بناء الحركة الكردية السورية، واحياء الأداة النضالية، وتعزيز مكانتها، ودورها النضالي، وتقديم وإقرار المشروع الكردي للسلام بجانبيه القومي والوطني السوري، وترسيخ مبدأ استقلالية القرار، والناي بالنفس عن الارتباط بالمحاور الخارجية، وهي المدخل الحقيقي والوحيد لإعادة ترتيب البيت الكردي، وتحقيق المصالحة، وعودة المسلحين الوافدين من – قنديل – الى أماكنهم .

  بعد سقوط نظام الاستبداد تواصل ممثلو حراك “بزاف” وانطلاقا من المصالح القومية والوطنية مع أحزاب  الطرفين، وطرحوا مشروعهم بالشكل التالي :

 

مشروع حراك ” بزاف “

  من اجل نجاح عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع لابد من تشكيل لجنة تحضيرية من – ١٥ – شخص من الجنسين بالتوافق ومن غالبية من الوطنيين المستقلين من مختلف المناطق ومشاركة أحزاب الطرفين وما بينهما بنسبة لا تتعدى الثلث، تشرف اللجنة على الاعداد للمؤتمر، من تحديد المكان، والزمان، واعداد جدول الاعمال، ودعوة المندوبين من مناطق (عفرين – كوباني – الجزيرة)، ودمشق، وحلب، ومن المقيمين بالخارج، وفي حين سيكون المؤتمر سيد نفسه في مناقشة وإقرار المشاريع، والبرامج، والسياسات، لينتهي بانتخاب هيئة مسؤولة لقيادة المرحلة القادمة .

 

مشروع الأحزاب

  عندما طرح حراك ” بزاف ” منذ تسعة أعوام مشروعه المتكامل لعقد مؤتمر كردي سوري جامع، واجهته أحزاب الطرفين وما بينهما بالعداء، والرفض، والتجاهل، ولكن بعد ان تحول المشروع الى مطلب شعبي عام، وتحت ضغط الراي العام، ومن اجل الالتفاف على المشروع الأساسي، قام حزب الاتحاد الديموقراطي – ب ي د –  بادعاء ان لديه مبادرة لعقد مؤتمر كردي وهو سيدعو الاخرين اليه، ونصب لجنة تحضيرية حزبية، واعتمد – الثنائية – القديمة الفاشلة أي جر – أحزاب المجلس الكردي الى جانبه، فقط من اجل تعزيز أوراقه التفاوضية مع دمشق، وليس من اجل إيجاد حل عادل  للقضية الكردية السورية .

  لقد عمدت جماعات – ب ك ك – وغيرها  استبعاد حراك ” بزاف ” فقط من اجل قطع الطريق على طرح مشروعه الذي يحظى بقبول الأوساط الواسعة من شعبنا في أي محفل يتعلق بالكرد السوريين، وهذا ما حصل في مؤتمر الحسكة، ولاشك اننا لسنا من طلاب الكراسي، والمنافع الخاصة ونتمنى الخير لأي مسعى صادق، ولكننا لانرى أي افق مشجع بالمستقبل المنظور فما يبنى على أحزاب فاشلة، مضللة، غير مستقلة، باطل .

  وفي حال استمرار سلطة – ب ي د – الإصرار على موقفه لا نستبعد لجوء الوطنيين المستقلين الكرد الى محاولة عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع في العاصمة دمشق .

* (النص العربي المنشور بالعدد الاخير لأسبوعية – كولان – باللغة الكردية)

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…

عصمت شاهين الدوسكي عندما تكون الجبهة الداخلية قوية تكون الجبهة الحدودية اقوى. النفوس الضعيفة تستغل الشائعات لاشعال الفتن بين الناس. كثرت في الاونة الاخيرة افة الشائعات خاصة بعد بداية حرب امريكا وايران وفي كل الحروب تبدأ الشائعات بالظهور بشكل واخر. ولكي نكون على دراية بفكرة الشائعات يمكن تعريفها بشكل بسيط: الشائعات هي وسيلة من وسائل الحرب تستخدم فيها الاوهام والاكاذيب…

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…